آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

103199

إصابة مؤكدة

597

وفيات

94211

شفاء تام

تحليل اقتصادي: تداعيات الأزمة تتواصل.. وحجم الكارثة يتضح في 2021

سالم عبدالغفور - 

يبدو أن تداعيات أزمة «كورونا» السلبية على الاقتصاد لم تظهر جلياً بعد؛ إذ ترجّح المؤشرات استمرارها فصولاً متتالية خلال الفترة المقبلة، وسط تأكيدات بأن خسائرها الفعلية ستظهر كلياً العام المقبل، وأن ما ظهر حتى اليوم ما هو إلا جزء بسيط، أشبه بجبل جليد مختبئ تحت الماء، ولا يظهر منه سوى رأسه.

فالأزمة الحالية بدأت صحية وأثّرت في الربحية، لكنها مرشحة للتحوّل إلى أزمة سيولة مع استمرار تداعياتها وتزايد أرقام فاتورة مواجهتها، والدليل على ذلك توجّه معظم البنوك إلى عدم توزيع أرباح نقدية عن 2020 والتعليمات المشددة الصادرة عن لجنة بازل المصرفية وتوصيات بنك الكويت المركزي. ويخطئ من يظن أن الأزمة تنتهي بمجرد ضغط الحكومة على زر عودة الحياة؛ فالتعافي يحتاج سنة على الأقل، كما أن عودة الأنشطة ستكون مقيّدة بإجراءات احترازية ونسب تشغيل محدودة، علماً بأن قدرة أغلب الشركات ـــــ مهما كان حجمها ـــــ على التحمّل لا تتجاوز أشهراً معدودة، ثم ستنطلق الاستغاثات. لذلك، يجب الحذر من توسّع الأزمة شيئاً فشيئاً، لتؤثر في جناحي الاستثمار: البورصة والعقار، وصولاً إلى البنوك، في ظل غياب الاهتمام الحكومي بانعكاسات الأزمة على الاقتصاد مع سبق الإصرار والترصد، وأحيانا تقوم بعض أجهزة الحكومة بدور معرقل لقرارات لجنة التحفيز. لكن المستغرب أن حِزَم التحفيز تتناثرعالمياً، والدول الفقيرة تقترض لتنشيط اقتصاداتها، في حين ترى أوساط اقتصادية أن حكومة الكويت تراوح مكانها في هذا الشأن؛ إذ تعتقد أن عجز الميزانية مبرر كافٍ لتقاعسها، غير مدركة أن فاتورة الإنقاذ المتأخر أضعاف أضعاف «المبكر».

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن التوجّه الحكومي الشعبوي يعيق جهود الإنقاذ، كما يعرقل خطط ترشيد الإنفاق وتنويع الدخل، معتقدة أن الظهور الإعلامي و«البهرجة» ينفعان للتغطية على تخليها عن مسؤولياتها، وإلقاء تبعات الإنقاذ على البنوك وحدها.

فيما يلي التفاصيل الكاملة

«ما أشبه اليوم بالبارحة».. يعتقد البعض أن تلك المقولة لا تنطبق على أزمتي «كورونا» وتلك التي ضربت العالم في 2008 وسميت آنذاك بالأزمة المالية العالمية، متسائلين: ما الذي يجمع بين أزمة مالية وأخرى صحية؟ ولماذا يجزم البعض بأنهما مختلفتان كلياً؟ وما المؤشرات التي تؤكد أن «كورونا» بدأت صحية تسعى لتدمير الأجهزة التنفسية، ومع طول الفترة ستتحول لمهاجمة قطاعات الاقتصاد وصولاً إلى تجفيف منابع السيولة؟

الكثيرون يجزمون بأنه في 2008 كانت هناك أزمة سيولة بدأت بالقطاع المالي وطالت نيرانها باقي القطاعات، أما أزمة كورونا الصحية، فهي أزمة تشغيلية وليست رأسمالية، وبالتالي تأثيراتها تنصب على الربحية نتيجة تراجع العوائد، ما يستدعي تخفيض المصاريف، وتقليص العمالة، وأن تداعياتها ستتوقف عند هذا الحد.

كل ما سبق قد يكون صحيحاً فقط في حال كانت فترة الإغلاق قصيرة، وأن التأثيرات في التشغيل ستنتهي بمجرد اتخاذ قرار عودة الحياة، وكلها افتراضات لا تأخذ في الحسبان أن العودة ستكون مصحوبة بإجراءات احترازية مشددة، تلزم قطاعات عديدة بنسب تشغيل محدودة، ناهيك عن تداعيات التقشف الحكومي المعلن بتخفيض %20 من ميزانيات الوزارات وتأثير ذلك في الإنفاق الاستثماري، فضلاً عن حزمة الإجراءات المزمع اتخاذها، والتي ستطال حتماً دخل المواطن، من تقليص في المزايا المالية وزيادة في الرسوم وربما فرض ضرائب. بمعنى أن النمط الاستهلاكي وشهية الاستثمار سيشهدان تغيرات جذرية في المرحلة المقبلة، وعلى جميع القطاعات التأهب لتلك المرحلة.

أزمة سيولة

يبدو جلياً ان المؤشر الأقوى والأكثر وضوحاً أن الأزمة الحالية قد تتحول إلى أزمة سيولة مستقبلاً، وهذا ما يعكسه توجه معظم البنوك بعدم التوزيع عن 2020، على أقل كما هو متوقع، ما يؤكد أنها تتحوط من تداعيات أكبر مقبلة، أو لديها هواجس من أن طول مدة الإغلاق قد يحولها إلى أزمة سيولة، على الرغم من أن المصارف تتمتع بملاءة مالية كبيرة وحجم هائل من المخصصات، وفائض سيولة معتبر. وإذا كانت تلك التوجهات قادمة من لجنة بازل المصرفية، فإن هذا يعني أن التخوف عالمي وليس محلياً.

وللتذكير، فإن محافظ بنك الكويت المركزي د. محمد الهاشل لدى توضيحه لقرار إلغاء التوزيعات، وأنها اختيارية، قال «ليس من المنطقي أن يستفيد بنك من قرارات التخفيف الرقابية، ليقوم بتوزيعها على المساهمين، ثم بعد ذلك يحتاج لزيادة رأسماله لتعرضه لخسائر»، وهو ما يؤكد أن هناك هواجس قوية لدى الجهات الرقابية محلياً وعالمياً من تحول أزمة كورونا الصحية إلى أزمة رأسمالية، ولن تتوقف عند كونها أزمة ربحية، كما يظن البعض.

قياسا على أزمة 2008، حتى لو فتحت الحكومة الأنشطة الاقتصادية كلياً اعتباراً من اليوم، فإن آثار وتداعيات أزمة «كورونا» المتفاقمة ستظهر كلياً في 2021، والجميع يذكر أن صرخات الألم عقب الأزمة المالية ظلت مكتومة، ولم تخرج إلى العلن إلا بعد سنة تقريباً، ثم بدأت شركات تتهاوى، لتبدأ سلسلة من الشركات المتعثرة، والتي تلاشى معظمها، وما تلى ذلك من موجة انسحابات من البورصة، وان كان بعضها قد نجح في تجاوز عثرته.

فصول الأزمة ستتوالى

آثار أزمة «كورونا» بدأت فعلياً في الظهور من الشركات الصغيرة والمتوسطة، فيما تحاول الشركات الأكبر امتصاصها، ونجم عن ذلك وقف أنشطة و«تفنيشات»، ما زالت تتوالى فصولاً، ولكن الأكيد ان الأثر الكامل للأزمة لم يظهر حتى الآن، وما ظهر حتى اليوم هو جزء بسيط من قمة جبل الجليد المختفي تحت الماء، فقدرة أغلبية الشركات على التحمل مهما كان حجمها لا تتجاوز أشهرا فقط، ثم ستتوالى الاستغاثات وتظهر التداعيات تباعاً.

التداعيات تبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فالشركات الصغيرة صرخت منذ بداية الأزمة، ولحقت بها المتوسطة، ثم سيأتي الدور على الكبيرة، وما يعني ذلك من تأثيرات على جناحي الاستثمار في البلاد البورصة والعقار، والجميع سيصب مشاكله في النهاية لدى قطاع البنوك، لا سيما مع طول فترة الإغلاق، واستمرار التهرب الحكومي من التدخل بحزمة إنقاذ حقيقية، والاختباء خلف الجهود المضنية التي تبذلها البنوك بالتعاون مع اللجنة التوجيهية العليا للتحفيز الاقتصادي.

ويقول مسؤول في مجموعة اقتصادية كبيرة: اذا طالت الظروف الحالية ومددت المراحل لاخر السنة «رحنا فيها»، في ظل غياب الحلول الحكومية، وصدور قرارات من دون تنفيذها، علماً بأن «مرحلة التعافي» والعودة إلى النشاط كالسابق تحتاج إلى أكثر من سنة على أقل تقدير.

الحكومة غائبة!

على الرغم من جهود اللجنة التحفيزية في حلحلة الأزمة، فإن الجهات الحكومية لا تكتفي بالغياب عن الساحة، بل تقوم بدور معرقل أحياناً، فالقرض الميسر معطّل، وقرار مضاعفة دعم العمالة، البالغ نحو 220 مليون دينار، لم تتسلم منه الشركات شيئاً، وفقاً لمصادر معنية، وبرنامج ضمان الحكومة للقروض يحتاج إلى قانون، والخسائر تتوالى والوقت ينفد.

ويجد المتتبع للسلوك الحكومي في التعامل مع الأزمات الكبرى، أنها تتعمد المماطلة تجنباً لدفع فاتورة الإنقاذ، وهو ما حدث في 2008، ويتكرر في أزمة «كورونا» بنفس السيناريو، وان كان مختلفاً في الشكل، فبغض النظر عن تدخل الحكومة حينذاك لإنقاذ بنك الخليج، وضمان الودائع حفاظاً على النظام المالي والمصرفي في البلاد، فإنها تركت باقي القطاعات تواجه مصيرها المحتوم، وخالفت دول العالم أيضاً في عدم إقرار حزمة تحفيز، واكتفت بإطلاق قانون الاستقرار المالي، الذي لم يستفد منه سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من الشركات، وأطلقت المحفظة الوطنية لإنقاذ البورصة بقيمة 1.5 مليار دينار، لم يصل السوق منها سوى 450 مليون دينار حتى يومنا هذا.

الحكومة في الأزمة المالية أيضاً تماطل ثم تماطل حتى انتهت الأزمة. ولهذا، العالم كله تعافى وظلت الكويت تعاني وصول أزمة كورونا، فهل سيتكرر المشهد ونظل نعاني من تداعيات كورونا إلى الأزمة المقبلة؟!

الفارق الكبير بين الأزمتين انه في 2008 كان الخطأ من الشركات، التي ركبت سفينة المغامرة إلى أقصى مدى، واستحق بعضها ما جرى لها، أما اليوم فغالبية الشركات سليمة تشغيليا، ولكنها تتعرض لجائحة وظروف قاهرة، وعلى الحكومة الوفاء بواجباتها وتحمل مسؤوليتها، ومواجهة الأزمة بدلاً من الهروب منها.

يظن البعض أن التراجع في النمو والبورصات آني، وأن الاختلاف حول سيناريو توقيت وشكل الارتداد، وأن الحكومة بمجرد أن ترفع يدها عن زر الإغلاق ستعود الأمور كما كانت عليه مطلع العام الجاري، وأن على القطاع الخاص التحمل، وأن ظروف عجز الميزانية مبرر كاف لتقاعسها عن الإنقاذ، ولكنها لا تعلم أن فاتورة الإنقاذ المتأخر ستكون أضعاف أضعاف «المبكر».

العديد من الشخصيات الاقتصادية يبدي استغرابه من التعامل الحكومي الهادئ مع الأزمة، وتجاهلها لخطط التحفيز المليارية التي تطلقها دول العالم الغني والفقير، لدعم اقتصاداتها، بل إن هناك دولاً عربية تقترض لإنعاش اقتصادها، مشيرين إلى التوجه الحكومي الشعبوي الذي يعرقل خططها لترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل، هو نفسه ما يعيقها عن إنقاذ القطاع الخاص، رغم المخاطر الكبيرة التي تكتنف هذا السلوك.

خلاصة القول إن الحكومة تسعى لحل الأزمة مجاناً.. وتعتقد أن البنوك وحدها ستقوم بالمهمة، وأن البهرجة والإعلام والبيانات مفيدة للتغطية على ذلك، علماً أن البنوك كما يعلم الجميع لا تقرض بلا ضمانات، وأن المتعثرين الصغار والكبار يعرفون طريق البنوك جيداً، وعيونهم شاخصة على حزمة تحفيز تحل الأزمة من جذورها كما تفعل الدول الغنية والفقيرة، وقبل ذلك كله إعادة الحياة كلياً، لتقليص حجم التداعيات الكارثية للأزمة التي لم يشهد العالم مثلها في التاريخ الحديث.



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking