آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

51245

إصابة مؤكدة

377

وفيات

42108

شفاء تام

  د. نايف الشمري

د. نايف الشمري

لا يزال هناك جدل قائم بين الاقتصاديين حول العلاقة بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي، والذي قد تحكمه الفترة الزمنية والدولة ذاتها المرادة دراستها، وبالنظر إلى حالة الكويت، تؤكد أغلب الدراسات الاقتصادية ذات الصلة أن أسعار النفط تعد عاملاً أساسياً للتحكّم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، ومستوى معيشة الأفراد، وهذا ما يحدُّ من أثر العوامل الأخرى، ومنها النمو السكاني، في النمو والتنمية الاقتصادية في الكويت.

وتوصلت دراسة حديثة، أعدها استاذ الاقتصاد في كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت د.نايف الشمري بعنوان «التركيبة السكانية في دولة الكويت وأثرها الاقتصادي»، إلى أن معدل النمو السكاني يفوق معدل النمو الاقتصادي خلال معظم الفترة الزمنية، وذلك بمقارنة معدل النمو السكاني مع معدل النمو الاقتصادي. وتشير إلى أن متوسط معدل النمو السكاني خلال الفترة الزمنية من 1996 إلى 2018 يعادل %4.1 سنوياً، مقارنة بمتوسط معدل النمو الاقتصادي، والمقدر بنحو -%0.83 (بالسالب)، أي إن متوسط معدل النمو السكاني يفوق بأضعاف متوسط معدل النمو الاقتصادي، وهذا ما ينذر ويهدد مستقبل الاقتصاد الكويتي، وبالذات خطط التنمية الاقتصادية، حيث معنى ذلك أن نمو انتاج السلع والخدمات في الاقتصاد المحلي لا يلبي حاجات الأفراد منها ورغباتهم، وهذا ينعكس على ارتفاع معدل التضخّم، ليسجل بالمتوسط نحو %4 خلال السنوات العشر الأخيرة، كذلك معنى ذلك أن الاقتصاد لا يستطيع خلق فرص عمل كافية تستوعب أعداد الداخلين الجدد في سوق العمل، خاصة بين الشباب، حيث سجل معدل البطالة بين فئة الشباب نسبة %14.8 في عام 2018، علاوة على وجود بطالة مقنعة صريحة في سوق العمل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن فرص الاستفادة من النمو الاقتصادي في تحديث البنية التحتية وخلق قطاعات ذات قيمة مضافة عالية من الصعوبة تحقيقها في ظل النمو الهائل للسكان، ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى أن من يتحكّم في تقلّبات معدل النمو السكاني بالكويت هو النمو السكاني من غير الكويتيين، حيث إن متوسط نمو الزيادة غير الطبيعية للسكان من الهجرة يقدّر بنحو %7، والذي يفوق معدل نمو الزيادة الطبيعية للسكان الكويتيين من المواليد الجدد، والذي يقدر بنحو %2.7 خلال الفترة من 2009 لغاية 2019، الأمر الذي يدل على فوائد الزيادة من النمو الاقتصادي تذهب منافعها بشكل أساس إلى توفير السلع ومختلف الخدمات؛ لإشباع الزيادة غير الطبيعية للسكان من الهجرة، بدلا من إعادة استثمارها في قطاعات منتجة لتطوير التعليم والصحة ولتحديث البنية التحتية بما يحقق تنمية اقتصادية في البلاد.

نمو الأعداد

ووفق التركيبة السكانية، فإن ما يقارب %62.1 من السكان مشاركون ضمن قوة العمل، كما أن سوق العمل في الكويت ينمو بإجمالي قوى عاملة في المتوسط بحوالي نحو %3.6، بحد أدني خلال السنوات الخمس الأخيرة، نتيجة لنمو أعداد القوى العاملة الوافدة بشكل رئيس، حيث إن متوسط نمو العمالة الوافدة يعتبر مرتفعاً، ويصل الى نحو %4.1 سنوياً، في حين لا تتجاوز نسبة نمو العمالة الوطنية نحو %0.8 في المتوسط.

ومن خلال الرسم البياني (4)، نستطيع القول إن العمالة الوافدة في القطاع الخاص تتركز، وبنسبة تصل إلى نحو %60 إلى %70 في أربعة قطاعات اقتصادية، هي: قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة %31.8، وقطاع الأنشطة العقارية بنسبة %14.3، ثم قطاع الصناعات التحويلية بنسبة %14.1، وقطاع التشييد والبناء بنسبة %10.2.

وبما أن التركّز القطاعي للعمالة الوافدة بالقطاع الخاص في القطاعات الأربعة الرئيسة المشار إليها آنفاً، حيث إن التوظيف فيها لا يحتاج مهارات فنية عالية أو حتى مؤهلات علمية عالية لأغلبها؛ لذا فمن الطبيعي أن نجد معظم العمالة الوافدة الموجودة في سوق العمل المحلي تصنّف، كما في الرسم البياني (5)، لكونها عمالة ذات مهن عادية، بنسبة %38.2، ثم العمالة من الحرفيين بنسبة %21، ثم عمالة تشغيل في المصانع بنسبة %13.4، وعمالة الخدمات ومحال البيع والأسواق بنسبة %10.3 من إجمالي العمالة الوافدة في القطاع الخاص، وتلك المهن فقط تشمل أكثر من نحو %80 من إجمالي مهن العمالة الوافدة في سوق العمل بالقطاع الخاص. وبمقارنة التوزيع القطاعي للعمالة الوافدة مع القيمة المضافة للقطاعات الاقتصادية، نستطيع استنتاج التالي:

مما لا شك فيه أن القطاعات الاقتصادية الرئيسة الأربعة ذات التركز للعمالة الوافدة الأكثر، والتي تجذب حوالي %60 إلى %70 من العمالة الوافدة لا تمثل القيمة المضافة لها مجتمعة، سوى نحو %22.5 من الناتج المحلي الإجمالي؛ لذا فإن أي تغيير في هيكل التركز القطاعي للعمالة الوافدة، من خلال تقليص أعداد تلك العمالة، لن يكون له أثر اقتصادي كبير، فنظرياً استبدال العمالة الوطنية بالعمالة الوافدة في تلك القطاعات، ليست فيه صعوبة، لكون معظم المهن المعروضة في تلك القطاعات يغلب عليها الطابع الإداري، باستثناء قطاع التشييد والبناء، أما قطاع الصناعات التحويلية فالمهارات المطلوبة في هذا القطاع تعتبر بسيطة، مقارنة بما تمارسه العمالة الوطنية في القطاع النفطي، بيد أن ذلك التغيير يعتمد بدرجة كبيرة على مدى قبول الأيدي العاملة الوطنية لتلك المهن ووجود أجور وحوافز مالية للتشجيع في ممارسة تلك المهن، وهذا بدوره يحتاج لكل من التأهيل التعليمي والمهني والاجتماعي والثقافي للعمالة الوطنية لتقبّل العمل في هذه الوظائف.

تشغيل آلي

ووفق إحدى الدراسات، فإن الكويت لديها القدرة على التشغيل الآلي التقني للوظائف الحالية، حيث أشارت الدراسة إلى أن ما يقارب %43 من أنشطة الأعمال القائمة في سوق العمل المحلي تعتبر قابلة للتشغيل الآلي اليوم، استناداً إلى التكنولوجيا المتبعة حالياً (كما في عام 2016)، وهذه النسبة تعتبر من الأعلى على المستوى الخليجي، كما هو واضح في الجدول (1). وعليه، نستطيع القول بإمكانية نقل سوق العمل بالكويت من شكله التقليدي إلى الشكل التقني بكل سلاسة وبأقل تكاليف، ليتزامن ذلك مع التحوّل العالمي إلى الاقتصاد الرقمي وتخفيض الاعتماد على العمالة الوافدة في القطاعات الأقل، من حيث القيمة المضافة، خاصة في قطاع تجارة الجملة والتجزئة، وقطاع الأنشطة العقارية، وقطاع الصناعات التحويلية، ولكن بشرط أن يتزامن ذلك مع توفير فرص وظيفية حقيقية في كلا القطاعين الحكومي والخاص، مع خلق فرص العمل العالية الإنتاجية بالقطاعات المختلفة في القطاع الخاص.

إن النمو في أعداد السكان لا يعتبر مشكلة اقتصادية في حد ذاته، بل في كثير من الأحيان يعتبر عاملاً لدفع نمو الاقتصاد، ولكن إذا ما قورن هذا النمو السكاني بنمو اقتصادي متقلّب وغير مستقر، كما هو في حالة الكويت، فإن النمو السكاني في هذه الحالة يعتبر تحدياً، ليس لمجرد إعادة هيكلة التركيبة السكانية والسيطرة عليه، بل من خلال دعم النمو الاقتصادي، والمحافظة على استقراره، وذلك مع الحاجة لوجود قطاعات تنافسية أخرى رديفة غير القطاع النفطي؛ بهدف تنويع الاقتصاد، وهذا ما عجزت عن تحقيقه الدولة. فوضع الاقتصاد هو الذي يحدد التركيبة السكانية، وإعادة تشكيلها، وليس العكس.

توصيات واجبة

● طرْح موضوع تعديل التركيبة السكانية لا بد، وأن يجري تناوله بشكله الكلي، وليس الجزئي، حيث إن موضوع التركيبة السكانية مرتبط بشكل مباشر بسوق العمل، لكون العمالة الوافدة تمثل حوالي %75.5 من إجمالي السكان غير الكويتيين، فلا تعامل مع التركيبة السكانية من دون معالجة الخلل في سوق العمل.

● في المقابل، فإن معالجة الخلل في سوق العمل تحتاج إعادة النظر في السياسات العامة للدولة وخطتها التنموية للانتقال نحو تنويع الاقتصاد، وعمل الإصلاحات الشاملة في الاقتصاد الكويتي.

● وضع الضوابط اللازمة على منح تصاريح العمل ونظام الكفيل الحالي ومراقبتها من الجهات المعنية.

● التغيّر في سوق العمل يجب أن يتوافق مع تطلعات المستقبل وإمكانية نقله من شكله التقليدي إلى الشكل التقني، من خلال الحد من السماح بمزاولة الأنشطة الاقتصادية الكثيفة العمال، ويُستبدال بها أنشطة كثيفة لرأس المال، حيث هذا من شأنه تخفيض الاعتماد على العمالة الوافدة وتقليل أعدادهم.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking