آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

98528

إصابة مؤكدة

580

وفيات

88776

شفاء تام

بعد أقل من أسبوع من انتهائي من قراءة رواية «الطاعون» لألبرت كامو، أرسل لي الصديق صبيح العيسى فيديو مدته نحو خمس دقائق، يتحدث عن الرواية وتاريخها وبعض الشخصيات التي وردت فيها. وبعد مشاهدتي للفيديو، تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا يبدأ كامو بكتابة رواية عن الطاعون في عام 1941، في وقت كان يمكن أن يكتب فيه عن الحرب. والنتيجة التي وصلت إليها أنه بابتداعه فكرة الطاعون، لديه الحرية بالخيال أكثر مما لو كتب عن الحرب. فكان يعيش في بداية الاحتلال الألماني لفرنسا، وسيكون ناقلا متحيزا لتجربة الحرب في حبكته الروائية، وسيدخل في نزاع شخصيات قد تفرض عليه أحكاما عنصرية. أما اختياره الطاعون، وأن يكون ذلك في مدينته الجزائرية- الفرنسية وهران، فقد أفسح لنفسه الطيران في خياله دون عوائق.

وبالنسبة لكامو، فإن الإنسان يعيش أزمة وجودية، وعادة ما يكون غير محضر لنكبات مثل الحروب والأوبئة. وفي مثل هذه النكبات تظهر فيه وحشية البشر، كما تظهر إنسانيتهم وعطاؤهم. وكون هذا الفيديو يتم تداوله حاليا في زمن الكورونا، فيبدو أني واحد من آلاف البشر الذين وجدوا أن الحصار المنزلي وأسبابه قادهم لقراءة «الطاعون». لكن لا أعرف كم منهم احتفظ بالرواية، أكثر من ثلاثين سنة دون قراءتها، وحتى اني لا أعرف أنه أنا الذي اشتريتها من دينفر في كولورادو بدولار ونصف الولار، أو أن أختي سناء هي التي اشترتها. فعندما حصلت على نسختي من هذه الرواية لم يكن نصف سكان الأرض قد ولدوا بعد.

هذا، وإن كنت سأشارك القارئ بالاطار الصحي والإنساني الذي حل على مدينة وهران بسبب المرض، والذي يشبه إلى حد كبير ما لم تتوقف عن سماعه منذ ديسمبر الماضي عن مرض الكورونا. إلا أن موضوع الرواية هو أكبر من موضوع المرض. فموضوعها يتضمن غربة الإنسان على الأرض، والحياة والموت، والحب والزواج، والإيمان والدين ومن هو المتدين. كل هذه الهموم الإنسانية نستشفها من خلال حوارات أغلبها بين الشخصية الرئيسية في الرواية – الدكتور ريو والشخصيات المحيطة به.

والتشابه كبير بين ما يحصل في الوقت الحاضر من ردود افعال فردية وجماعية وحكومية، وما حصل في وهران عندما انتشر وباء الطاعون فيها. فقد وجد الناس انفسهم غير مستعدين وغير مصدقين أنه سيهدد حياتهم. فقد بدأ المرض بمشاهدة الفئران تسير ببطء بدل هروبها من الإنسان، وأصبحت تخرج إلى العراء، تنزف دما وتموت أمام من كانت تهرب منهم. وعندما يصل عدد الوفيات من الناس إلى 302 بالأسبوع، ويرتفع إلى 500 بالأسبوع الذي يليه، ينتشر الهلع بين الناس، ويزيد الإقبال على تخزين الأكل والأدوية. ويضطر الطاقم الطبي بالمستشفيات للعمل ساعات طويلة دون توقف. وبين الأطباء في وهران وفرنسا، يتم التواصل لتطوير لقاح، أما المدينة فتعزل ولا يسمح حتى للزائر بمغادرتها. لكن إذا توافر المال وتعرفت على المسؤول المناسب في الشرطة يمكن أن تغادرها بسرية.

هذا ويعصف المرض بالمدينة لسبعة أشهر، ولعلها من مفارقة أنه بعد النجاح في تطوير مصل، وتراجع عدد المرضى بحيث أصبح عدد المصابين أقل من عدد الذين شفوا، تبدأ الفئران بالظهور وعليها مظاهر الصحة، فأصبحت تهرب من الناس ولا تنزف دما. والسلوك الإنساني متشابه في الأزمات. فكثيرا ما يظهر عطاء وبطولات من أشخاص لم يتوقع أن يكونوا كذلك. كما أن هناك آخرين يستغلون الفرص ويجنون ثروات بسبب انتشار الوباء. وانتشار الوباء والموت غير المتوقع للكثير يذكرنا بحقيقة يعرفها الإنسان، وإن كان لا يعترف بها ويحاول أن يؤجلها، ألا وهي عرضية الحياة وعشوائية الموت. وهذه الحقيقة التي يتطرق إليها ألبرت كامو في الطاعون، تذكرني بما قاله شاعر الحكمة العربي «الجاهلي» زهير بن أبي سلمى:

سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ وَمَنْ يَعِشْ

ثَمانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ

وَأَعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ

وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ

رَأَيْتُ المَنايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ

تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ

وَمَنْ لا يُصانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ

يُضَرَّسْ بِأَنْيابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

ولاشك أن كامو كان سينزعج كثيرا لو قرأ هذه الأبيات وعرف معناها، وعلم أن العرب يطلقون على زهير شاعراً جاهلياً.


د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking