آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

52007

إصابة مؤكدة

379

وفيات

42686

شفاء تام

يعجّل عارض كورونا من تحول الإنسان الى كائن رقمي.. فالجميع اليوم أصبح مجبرا وبسبب ظروف العزلة على التعامل رقميا مع كل شيء.. فالشراء أصبح رقمياً.. والاستشارة الطبية كذلك.. بل وحتى المشاعر والتواصل والعلاقات والحب.. كلها أصبحت رقمية نبثها ونعبر عنها من خلال أجهزة تتفاوت في حجمها ودقة صورتها.

منذ فجر التسعينات وفكرة الذكاء الاصطناعي مسيطرة على الناس في كل المجتمعات وتحت كل الثقافات.. بحيث أصبحت هوساً يقلق البعض الى درجة الهلع.. ويُفرح البعض الآخر الى حد النشوة.

لكن، وبغض النظر عن مشاعرنا تجاه مثل هذا التحول، تبقى البشرية كلها ماضية باتجاه مناخ جديد تتحول فيه جميع الأحياء بمشاعرها وبتكوينها البيولوجي الطبيعي إلى آلات يتم التحكم فيها وتوجيهها بمحركات، قد لا تكون في الغالب طوعية، وإنما انتقائية في أحيان كثيرة.

في عام 1917 أصدر الكاتب السويسري يوناس لوشر كتابه الجدلي «كرافت»، الذي يتناول فيه قصة بروفيسور ألماني اسمه «ريتشارد كرافت»، يتلقى دعوة للمشاركة في مسابقة يقيمها أحد الكبار في وادي السيلكون الشهير، والمسابقة هذه عبارة عن إعطاء أفضل إجابة لسؤال واحد هو «هل كل شيء على ما يرام»؟

يذهب كرافت للمشاركة في المسابقة، خصوصا أن الدعوة قد أتت من صديق قديم لطالما شاركه أحلامه وأفكاره.. إلا أنه يتحول في وادي السيلكون الى واحد من أباطرة المفكرين الاستراتيجيين.

كان هدف كرافت من المشاركة هو الفوز بالجائزة التي تقدر بمليون دولار.. آملا في أن يتيح له مثل هذا المبلغ ترتيب أمور انفصاله عن زوجته وتحقيق الحرية التي يطمح إليها.

لكن الأيام التي يقضيها كرافت في وادي السيلكون تقوده الى استرجاع تفاصيل حياته والمكانة العلمية والأدبية التي حققها.. وليدرك بأن الأمور لا تمشي وفقا لتلك المقادير.. وأنه وبطريقة لم يخطط لها.. يستطيع أن يصل الى نتائج لم يتصورها عن نفسه وعن حياته العلمية والشخصية.. وهي النتائج التي تقوده في النهاية الى الانتحار لأنه، وببساطة شديدة، لم يكن كل شيء على ما يرام!

«كرافت» يرى أن كل شيء أصبح سيئاً بسبب التكنولوجيا.. وأن تناول الطعام والعلاقات الاجتماعية وغيرهما.. هي طقوس اجتماعية شوهتها التكنولوجيا.. وحولت العالم المحسوس الى وجود هامشي وليس على ما يرام إطلاقا!

اليوم.. العالم يتحدث عن توحيد للإنترنت يخول هيئة كالأمم المتحدة التحكم ومراقبة كل مستخدم على وجه الأرض.. مع كل ما يعنيه ذلك من تداخل مخيف مع خصوصية الإنسان واستقلاله الذاتي وصفاء روحه ونفسه.. لذلك إن كان أمر سيادة التكنولوجيا على أدق تفاصيل حياتنا أمراً حتمياً لا مخرج منه ولا خيار لنا فيه.. فالأولى أن تكون للتكنولوجيا فلسفة تقودها.. وأخلاق ترشدها ويُجمع عليها البشر.. كي لا تتحول الى وحش يلغي كل سماتنا البشرية المحسوسة.

«كرافت» إذاً ليس الجبنة الشهيرة.. وإنما شخصية من الخيال خاضت تجربة مع الأخلاق المتوحشة في عالم ليس كل شيء فيه على ما يرام.. فأرسلت من ذلك العالم رسالتها التي تأمل أن يصغي لها العالم في نسخته الإلكترونية الراهنة.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking