صورة تعود ليوم 22 أبريل تظهر تناول الناس طعام الغداء في مطعم باستوكهولم (أ.ف.ب)

صورة تعود ليوم 22 أبريل تظهر تناول الناس طعام الغداء في مطعم باستوكهولم (أ.ف.ب)

ترجمة محمد أمين-

في الوقت الذي تخطط فيه دول عدة لإعادة فتح الاقتصاد تدريجياً، يبدو أن النموذج السويدي هو الأفضل حتى الآن، لاسيما أن السؤال، مع انتهاء الإغلاق، هو: هل سيجري التكيف مع فيروس كورونا كما تحاول أن تفعل استوكهولم التي اتبعت نهجاً مختلفاً جذرياً في التعامل مع الوباء، أم سيجري الذهاب إلى إجراءات أخرى؟

في مقال بصحيفة نيويورك تايمز، رأى توماس فريدمان أن الهدف بعد كل شيء هو مناعة القطيع، إما عن طريق التطعيم، وإما عبر بناء عدد كاف من الناس مناعة طبيعية. ونقل عن مايكل أوسترهولم، مدير مركز أبحاث الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا، أنه نظراً الى عدم وجود لقاح معجزة قريباً، فلن يتوقف الفيروس حتى يصيب نحو %60 - %70 من السكان.

واختارت السويد إستراتيجية السماح بتعرض الناس - لاسيما الذين تقل أعمارهم عن 65 عاماً - للفيروس، ليصبحوا محصَّنين بشكل طبيعي، وأصدرت مبادئ توجيهية للتباعد الاجتماعي، التزم بها معظم الناس طوعاً. وبمجرد أن يمر بهذه التجربة قرابة %60 من السكان (10 ملايين نسمة) ستحصل السويد على مناعة قطيع. ووفق كبير علماء الأوبئة في السويد، فإنه يمكن الوصول إلى ذلك في غضون أسابيع». والجانب الإيجابي لإستراتيجية السويد، بحسب فريدمان، هو أن الاقتصاد لا يتعرض لضربة قوية من الإغلاق، بخلاف إستراتيجية العزل، التي عندما ينتهي الإغلاق لن يكون السكان قد طوروا مناعة، وسيكونون عرضة لموجة ثانية من الوباء، محذراً من أن رفع الإغلاق عشوائياً قد ينتهي إلى تطوير مناعة القطيع، ولكن بطريقة قاتلة ومكلفة.

وفيما يلي التفاصيل؛ كثيرا ما يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإجراءات التي تقوم بها الولايات المتحدة لمكافحة وباء كورونا بأنها «حربنا ضد عدو غير مرئي». لكن تشبيه الأمر بالحرب هو أمر خاطئ ومضلل.

فالبشر هم من يخوضون الحروب وينتصرون فيها. لذا، تمكنّا من تحقيق الانتصار على النازيين واليابانيين في الحرب العالمية الثانية. وأمكننا الانتصار على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة. ولكن عندما تخوض الصراع مع الطبيعة الأم - مثل الفيروس أو التغير المناخي - فالهدف ليس التغلب على الطبيعة. إن أحداً لا يمكنه ذلك. والطبيعة هي الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء. لذا، فإن الهدف هو التكيف.

الطبيعة الأم لا تكافئ الأقوى أو الأذكى. إنها تكافئ الأنواع الأكثر تكيفاً مع تطور الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء. ولهذا أعتقد أن أحد أهم الأسئلة التي يجب أن نجيب عليها، مع انتهاء عمليات الإغلاق هذه، هو: هل سنتكيف مع فيروس كورونا كما تحاول ان تفعل السويد، أم أننا سنذهب في اتجاه آخر، أم أن الولايات الأميركية الخمسين ستعتمد كل منها طريقتها الخاصة في التعامل مع الإغلاق؟

مناعة القطيع

اتبعت السويد نهجًا مختلفًا جذريًا في التعامل مع الفيروس. وقد اختارت بشكل أساسي استراتيجية «مناعة القطيع» من السماح بتعرض الناس للفيروس. وتفترض هذه الاستراتيجية أن معظم الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 65 عاماً والذين يصابون بالفيروس - إذا لم يكونوا مصابين بأمراض كبيرة - فسيعانون من انفلونزا عادية أو شديدة، أو قد لا يعانون من أي أعراض، والعدد الذي سيصاب بالمرض لدرجة الحاجة إلى دخول المستشفى أو الرعاية الطارئة سيكون أقل من الطاقة الاستيعابية للمستشفيات.

لذا، إذا بذلت قصارى جهدك لإيواء كل من تزيد أعمارهم على 65 عامًا ويعانون أمراض، لا سيما أمراض القلب والرئة والسكري، وأطلقت بقية السكان ليتعرضوا للفيروس ويصبحوا محصنين بشكل طبيعي، فبمجرد أن يمر حوالي 60 في المئة من السكان بهذه التجربة، ستحصل على مناعة قطيع وسيتم حظر انتقال الفيروس. بعد كل شيء، مناعة القطيع هي هدفنا، إما عن طريق التطعيم وإما بناء عدد كاف من الناس لمناعة طبيعية. وهذه هي الطرق الوحيدة لتحقيق ذلك.

الجانب الإيجابي لاستراتيجية السويد - إذا نجحت - هو أن اقتصادك لا يتعرض لضربة قوية من عمليات الإغلاق. وبخلاف استراتيجية العزل المتبعة في المدن في جميع أنحاء أميركا في الوقت الحالي- وفي جميع أنحاء العالم- حيث عندما ينتهي الإغلاق، لا يكون السكان قد طوروا مناعة إلى حد كبير، وبالتالي يظل معظم الناس عرضة لموجة ثانية من الفيروس قد تأتي في الخريف.

فكر في التحدي الذي تواجهه مدينة نيويورك. لقد غرقت مستشفياتها بالمصابين بسبب الاندفاع المفاجئ لأعداد كبيرة من المرضى، وبالتالي فإن إغلاقا ينقذ ملايين الأرواح. ولكن هذا الأمر كان مكلفاً للغاية على صعيد الوظائف والأعمال التجارية مع تقدم ضئيل في مناعة القطيع واحتمال عودة الفيروس بمجرد رفع الاغلاق، ما لم يكن هناك اختبارات وعمليات تعقب وحجر على نطاق واسع وفرض حجر صحي على الذين يحملون العدوى كما فعلت الصين. حتى أن كل هذا قد لا ينجح.

الآن، دعونا نفكر في استوكهولم. يقول أندرس تيغنيل، كبير علماء الأوبئة في وكالة الصحة السويدية، أكبر مسؤول في الأمراض المعدية في البلاد ومهندس الاستجابة لفيروس كورونا: «نعتقد أن ما يصل إلى %25 من الأشخاص في استوكهولم تعرضوا للفيروس وربما اكتسبوا المناعة. فقد وجد مسح حديث من أحد مستشفياتنا في استوكهولم أن 27 في المئة من الموظفين هناك يتمتعون بالمناعة. ونعتقد أن معظمهم لا ينقلون العدوى الى المجتمع، أو الى مكان العمل. يمكننا الوصول إلى مناعة القطيع في استوكهولم في غضون أسابيع».

يشرح تيغنيل أن السويد لا تسمح فقط لجميع السويديين بالإصابة بالمرض لتحقيق مناعة القطيع، بل إنها تتبع استراتيجية مصممة للطريقة الأكثر استدامة للتنقل عبر هذا الوباء. لذلك يتم إغلاق الكليات والمدارس الثانوية، ولكن من رياض الأطفال حتى الصف التاسع، ظلت الصفوف مفتوحة، وكذلك العديد من المطاعم والمتاجر والشركات.

لكن الحكومة أصدرت أيضا مبادئ توجيهية للتباعد الاجتماعي، والتي يلتزم بها معظم الناس، وشجعت على العمل من المنزل ومنعت السفر غير الضروري. والأهم من ذلك، أنها شجعت كل شخص فوق 70 عاماً على البقاء في المنزل وحظرت التجمعات لأكثر من 50 شخصاً والزيارات إلى دور رعاية المسنين.

وأشار تيغنيل إلى أن النتيجة كانت حتى الآن بناء تدريجي لمناعة القطيع بين أولئك الأقل ضعفا، بينما تجنبت البلاد البطالة الجماعية واكتظاظ المستشفيات.

ومع ذلك، كانت تكلفة ذلك باهظة اذ «يبلغ عدد سكان السويد 10 ملايين نسمة، أي ضعف عدد سكان أقرب الدول الاسكندنافية. فقد وصل عدد ضحايا الفيروس 2274 شخصا حتى يوم 28 ابريل أي خمسة أضعاف الرقم في الدنمارك و11 ضعف الرقم في النرويج». وشكل موتى دور الحضانة ثلث عدد الضحايا.

ويرد على الخبراء الذين يحذرون من أنه لم يثبت بشكل قاطع أن الأفراد الذين يصابون بالفيروس يكتسبون مناعة، بسبب وجود الأجسام المضادة، أن هذا التفكير يقوض حجة البحث عن لقاح: «إذا كنت لا تستطيع الحصول على مناعة السكان، فكيف نفكر إذن أن اللقاح سيحمينا؟»

وختم: «ما يحدث الآن هو أن العديد من البلدان بدأت في السير على النهج السويدي. إنهم يفتحون المدارس في معرض محاولاتهم لإيجاد إستراتيجية للخروج. نحن بحاجة إلى اتخاذ تدابير يمكننا الاستمرار في تنفيذها على المدى الطويل، وليس فقط لبضعة أسابيع أو أشهر».

طرق جهنمية

ولدى سؤاله عن النهج الأميركي، قال: «يبدو لي أن الأميركيين تركوا الفيروس يذهب بعيداً قبل وضع أي استراتيجية حقيقية».

وهذه هي الحقيقة المجردة: لا توجد سوى طرق جهنمية مختلفة للتكيف مع الوباء وإنقاذ الأرواح وسبل العيش. وأنا أزكي السويد ليس لأنني أعتقد أنها وجدت التوازن السحري - من السابق لأوانه معرفة ذلك - ولكن لأنني أعتقد أننا يجب أن نناقش جميع الطرق والأثمان المختلفة للحصول على المناعة.

عندما أنظر الى جميع انحاء أميركا وأرى أن المحافظين يرفعون الإغلاق جزئياً - لأنهم يشعرون أن شعبهم لا يستطيع تحمل الأمر بعد الآن لأسباب اقتصادية أو نفسية، على الرغم من أن مواطنيهم لديهم حصانة قليلة أو لا حصانة على الاطلاق، أخشى أن ينتهي بنا الأمر إلى تطوير مناعة القطيع ولكن بطريقة مؤلمة وقاتلة ومكلفة وغير متناسقة وتترك مجالًا لفيروس كورونا ليضرب بشدة مرة أخرى ويُغرق المستشفيات بالمصابين.

يقول مايكل أوسترهولم مدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا: «أعتقد أن السويد أحد النماذج التي يجب أن ندرسها، لكنه ليس النموذج الوحيد، بيد أننا بحاجة لإجراء هذه المناقشات». واستدرك إنه نظراً لعدم وجود لقاح معجزة قريباً «فلن يتوقف الفيروس عن محاولة إصابة الناس حتى نصل إلى %60 أو %70 على الأقل».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking