امرأة قرب مركز اختبار للفيروسات التاجية.. وتبدو لوحة شكر لنظام الرعاية الصحية في منطقة تشيسينغتون في لندن (رويترز)

امرأة قرب مركز اختبار للفيروسات التاجية.. وتبدو لوحة شكر لنظام الرعاية الصحية في منطقة تشيسينغتون في لندن (رويترز)

مثّل وباء «كورونا» الاختبار الأهم لجهوزية القطاعات الصحية في العالم، وبدا ذلك واضحاً في بريطانيا، التي عانى النظام الصحي الوطني (إن إتش إس) الشامل والمجاني لديها من عجز حاد، بسبب سياسات التقشف التي جرى تطبيقها لسنوات.

ومنذ اجتياحه بريطانيا حتى الآن، خلّف الوباء أكثر من 14 ألف وفاة ونحو 109 آلاف إصابة، مظهراً عجز القطاع الصحي ونقصاً في الكوادر الطبية.

وبدأت سياسة التقشّف في بريطانيا عام 2008 بعد ​الأزمة المالية العالمية​، وشملت تخفيض ​الأجور والإنفاق، بما في ذلك قطاع الصحة.

وعود جونسون

وخلال حملة الانتخابات التشريعية، وعد جونسون بضخ المليارات في النظام الصحي، مؤكداً أنه سيقدم إليه «كل ما يلزم»، لكن الوعود لم تُنفَّذ، حيث اتبع سياسة التقشف قبيل «الخروج من الاتحاد الأوروبي» (بريكست).

ودقّ البريطانيون سابقاً جرس الإنذار، رداً على سياسة رئيس الوزراء البريطاني تطبيق خطة التقشّف، حين خرجوا بتظاهرات احتجاجاً على خصخصة نظام التأمين الصحي «إن إتش إس»، منبّهين إلى ما وصفوه بالخطر الحقيقي على سلامة المرضى. كما نددوا بعدم حصول الكثير من المواطنين على ما يستحقونه بسبب تقشف الخدمات الصحية.

ودان الزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربن تردي وضع النظام الصحي «غير الجاهز» لمواجهة تدفق المرضى المصابين بـ «كوفيد-19» بسبب عقد من الإجراءات التقشفية، بينما انتقدت رابطة مديري الصحة العامة «سنوات الاقتطاعات القاتمة» التي تدفع البلاد ثمنها اليوم.

وقال أستاذ السياسة الصحية في جامعة «لندن سكول أوف إيكونوميكس» إلياس موسيالوس إن «النظام الصحي الوطني يعاني من نقص في التمويل معترف به منذ 2010 (...) كبح رده على فيروس كورونا المستجد».

من جهته، أكد أستاذ سياسة الصحة الدولية في جامعة «إمبريال كوليدج أوف لندن» فرانكو ساسي أن الاستعداد لأزمة صحية مثل وباء كوفيد-19 «كان غير كاف بشكل واضح في غالبية الدول الصناعية بما فيها بريطانيا». وأوضح أن ميزانية النظام الصحي البريطاني «تمثل 7.6 في المئة من إجمالي الناتج الداخلي، أي النسبة نفسها تقريبا التي كانت محددة في 2012، بينما ارتفع عدد السكان وكلفة العلاج». وتابع أن هذه الميزانية كانت ترتفع تاريخيا بنحو 4 في المئة سنوياً، لكن بعد الأزمة المالية في 2008ــ2009 التي أدت إلى تقليص كبير في نفقات الخدمات العامة، لم ترتفع سوى 1.5 في المئة لسنوات عدة.

وهذا النقص المزمن في الأموال يترجم بنقص في عدد الأسرة الذي يبلغ في المعدل 2.5 لكل ألف شخص في بريطانيا، مقابل ستة لكل ألف في فرنسا وثمانية لكل ألف في ألمانيا، وفق أرقام منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

والفارق أكبر في عدد الأسرة المخصصة للعناية المركزة التي يتحدد فيها مصير المرضى المصابين بـ «كورونا» بأعلى درجات الخطورة. وتملك بريطانيا أقل من نصف ما لدى فرنسا وأقل بخمس مرات مما تملكه ألمانيا، حسب موسيالوس.

ظروف قاسية

ومن النتائج الأخرى لسنوات التقشف هذه النقص الخطير في الطواقم. وقال موسيالوس إن «نحو مئة ألف وظيفة شاغرة حالياً في النظام الصحي الوطني، أي وظيفة من كل 12»، معظمها لأطباء وممرضين وخصوصا في أقسام العناية المركزة الممتلئة اليوم.

وأكد ساسي أن المملكة المتحدة التي كانت تضم في الأساس عدداً من الممرضين والممرضات أقل مما هو في فرنسا أو ألمانيا «واحدة من الدول النادرة في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي» التي شهدت «انخفاضا» في عددهم في السنوات الأخيرة.

وهذا الوضع ناجم خصوصاً عن الصعوبة في التوظيف بسبب ظروف العمل التي تزداد ضغطاً، لا بل لا تُحتمل أحياناً، والأجور الضئيلة. لذلك يتخلى كثيرون عن عملهم أو يتجهون إلى القطاع الخاص.

وردت بريطانيا على أزمة الوباء باستدعاء الممرضين والأطباء المتقاعدين ليعاودوا عملهم، لكن هؤلاء، وبما أنهم مسنون، في وضع هش وهامش حركتهم محدود. (أ ف ب، رويترز، بي بي سي)

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking