آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

100683

إصابة مؤكدة

588

وفيات

91612

شفاء تام

لقد شجّع القرآن الكريم البشر على إعمال العقل، الذي خلقه الله تعالى، وكفل الإسلام حرية الرأي والفكر، وبفضل هذا العقل وتلك الحرية ازدهر الفقه الإسلامي، وكثيراً ما كان المسلمون ينتقدون الحكام والقضاة والولاة في الأمصار المختلفة في أعمالهم وتصرّفاتهم، وكان هؤلاء يسمعون ويتقبّلون النقد بلا غضاضة. ولعل قصة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مع المرأة تعبر أجمل تعبير عن حقيقة توافر حرية النقد والفكر في صدر الإسلام؛ عندما وقف عمر ونهى عن الغلو في المهور وأراد تحديدها، فردّت عليه امرأة، وبيّنت له أن فعله مخالف لنص القرآن، وعندها وقف عمر بن الخطاب، ليقول: كل الناس أعلم منك يا عمر، حتى النساء، لقد أصابت امرأة، وأخطأ عمر.

ما سبق مقدمة كان لا بد منها، للتعليق على الخبر المنشور بالزميلة «السياسة» بتاريخ ١٢ أبريل عن نية اتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية وعزمه تقديم شكاوى جزائية ضد «المشكّكين في العمل الخيري».

عجباً.. هل العمل الخيري عمل مقدس، ويجب ألا يخضع لرقابة الرأي العام؟!! لقد بيّنا في مقالات عدة أنه تتعيّن التفرقة بين الجمعيات الخيرية الحقيقية والجمعيات الحزبية، هذا مع ضرورة الإشارة إلى أن القائمين على تلك الجمعيات أولاً وأخيراً بشر غير معصومين من الخطأ، ومن حق الناس أن يطمئنوا إلى أين تذهب تبرّعاتهم، وفي أي اتجاه، وهذا في مجمله يحقّق توازناً حقيقياً، ويحمي أمن المجتمع والدولة.

الحق أقول إن ما أثار العجب والاستغراب هو لجوء اتحاد الجمعيات «الخيرية» إلى الشكاوى الجزائية، مما يشكّل خروجاً سافراً عن تعاليم الإسلام السمحة؛ فالمفروض بالجمعيات أنها «إسلامية» الهوية، والإسلام في القرآن الكريم ينص على «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل: 125). هذا، بالإضافة إلى عشرات الآيات والأحاديث التي تحمل المعاني والأفكار السامية ذاتها.

إذاً، الرد على نقد أعمال الجمعيات الخيرية الأصل فيه أنه بالحكمة والموعظة، وليس بتخويف الناس وإرهابهم وملاحقتهم جزائياً، بغية حبسهم وتقييد حرياتهم مما يؤدي قطعاً إلى تنفير الناس وتشويه صورة الإسلام لتصبح الشكوى وسيلة قسرية، تؤدي إلى التخلّف والتقهقر والاستبداد، فمن غير المتصوّر والمعقول الافتراض أن كل نقد أو رأي القصد منه الازدراء ولا يلزم أن يلاقي الفكر والرأي ذاتهما فكر القائمين على العمل الخيري ورأيهم؛ ففي ذلك حجر على العقول ومصادرة للآراء.. فالتدين المغشوش قد يكون أنكى بالأمم من الإلحاد الصارخ، كما قال ذات يوم الشيخ محمد الغزالي.

في الختام، نذكّر ونلفت انتباه السادة في اتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية إلى أن الدستور أورد في المادة 36 أن «حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة»؛ إذ إن لكل فرد في المجتمع حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول والكتابة أو غيرهما، دونما حاجة إلى تحديد موضوع ذلك الرأي أو قصره على أمر دون آخر، فالرأي والنقد والتفكير والإبداع صفات العقل المستنير، ما دام لا يخرج عن حدود النقد المباح، فقد استقرت الأحكام القضائية على أن الأصل هو الحرية، والقيد هو الاستثناء، ويجب ألا تجزع تلك الجمعيات واتحادها من النقد؛ فالرأي في أحيان كثيرة يؤدي إلى تقويم السلوك والنهج من الخطأ والاعوجاج.. وأرجو من اتحاد الجمعيات الخيرية أن يعيد ضبط الرؤية، ويقتدي بسلوك عمر بن الخطاب ومبادئه، ويسير عليها ويعمل بها.. وفي النهاية، صورة الإسلام من صورة المنتسبين إليه، وفق رأي جمال الدين الأفغاني.

بسام العسعوسي

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

}
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking