كانت فكرة جميلة أن تلتقي مع صديقات الطفولة وزميلاتها في الثانوية بعد مرور ثلاثين سنة من افتراقهن، بعضهن عن بعض؛ وقد شقّت كل واحدة منهن طريقها في الحياة، فكان اقتراحاً طيّباً من إحداهن: ماذا لو التقين مرة أخرى ليعشن الذكريات الجميلة، وليحدثن بعضهن بأخبارهن؛ وما صرن إليه بعد مرور كل هذه السنوات؟
وصار اللقاء الجميل، وحينما التقين وتجاذبن أطراف الحديث، بدت كل واحدة منهن مختلفة؛ وقد انطبعت شخصيتها وفق ما كانت تمارسه خلال تلك السنوات؛ وإنك لن تجد أي صعوبة في معرفة كيف استغرقت وفي ما قضت كل منهن السنوات الثلاثين، إذ يمكنك ان تكتشفه من عادات وطبائع كل واحدة منهن، وكما قيل «عاداتنا نصنعها لتصنعنا»، فمثلا تستطيع أن تكتشف المدمنة للمسلسلات ومشاهدة الأفلام، وتلاحظ تلك المتابعة عروض الموضة المغرمة بمساحيق التجميل المهووسة بجمالها الشكلي، لاهيةً عن جمالها الروحي، المرعوبة من هجوم خطوط التجاعيد، وتكتشف تلك القارئة مدمنة الكتب والمكتبات، وتلك المحبة للدراسة والحصول على الشهادات، وتلك الهائمة في قراءة الروايات، وتلك الطباخة الماهرة التي تعشق الطبخ والتفنن في اعداد ولائم الطعام ووصفات الأكلات، فكل ميسّر لما خُلق له. فأنت تستطيع أن تكتشف ذلك من خلال منطوق وطروحات أفكارها ومن خلال مفرداتها اللغوية، ومن خلال إنصاتها ورقيها وإدارتها للحوار. فكل واحدة وما كانت تضع في سلة إنجازاتها وأفكارها وتراكم خبراتها في الحياة، ووفق ما كانت تطلبه وتهتم به فهي التي تحدد سلتها إن كانت ذهبا ثمينا أو غير ذلك، فكل واحدة تجني ما غرسته طوال سنوات حياتها.
أذكر أني رأيت مشهداً في «اليوتيوب» لجلسة محاكمة، وكانت المفارقة أن القاضي والمتهم زميلا دراسة في المرحلة الثانوية، ثم افترقا وصار كل واحد منهما شخصا مغايرا للآخر وفق اهتماماته، وتراكم خبراته وأفكاره، فهو الذي صنع حياته.
من الآيات الجميلة في القرآن الكريم قوله تعالى: «ألم نجعل له عينين. ولساناً وشفتين. وهديناه النجدين»؛ يخبرنا ربنا هنا أنه سبحانه زوّد الإنسان بوسائل المنطق وآليات الالتقاط والتجميع من الحياة، وأرشده الى خيارين أمامه: طريق الخير وطريق الشر، فهو اختار الطريق، وسلك ما يريد وصاغ شخصيته، وفق ما يهتم ويحرز.
إن أعظم قوة يمتلكها الإنسان هي القوة المعرفية والقدرة على اكتساب المعرفة وتعلمها، وهي عدة الإنسان في مواجهة الباطل، وفي إقامة الخلافة في الأرض «وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة».. «وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة..»، وقد نال أبونا آدم شرف الخلافة في الأرض بقدرته على التعلّم، ونال كرامة عظيمة بأن أسجد الله تعالى له الملائكة، فبعد تفوّق آدم المعرفي أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود له، فقال «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا..».
تزداد وتتطور القوة المعرفية للمرء بما يتراكم لديه من تحصيل واهتمام، وبما استفاد من تراكم التجارب والخبرات، فكلما كان تجميعك واهتمامك قيّمَين زادت قوة معرفتك وامتلأت سلتك بالذهب.
في نهاية كل سنة هجرية شرّع الله لنا الأيام العشر، وأمرنا بتكرار الذكر والتكبير والتهليل للتذكير بنعمة مرور عام آخر على وجودك في الحياة، فيكرمنا ربنا بزيادة الأجر والثواب ويبيّن لنا أن بالذكر والشكر يحيا الإنسان، وتسمو روحه ويذهب منها خبث ما تراكم، كأن العشر المباركات بمنزلة الجرد والتصفية لما مضى؛ ليزداد بريق سلة ذهبك، فالله أكبر ولله الحمد.

سعاد أحمد الدبوس

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات