آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

855

إصابة مؤكدة

1

وفيات

111

شفاء تام

مروان سلامة

مروان سلامة

تواجه أميركا مشاكل عدة متصادفة في آن واحد، ضعف وهشاشة اقتصادها وورم فقاعات الأصول المتضخمة، وانتشار وباء «كورونا»، ومخاطر جمة تهدد قطاع النفط الصخري. ويعتقد الكثيرون أن هذه المشاكل مجتمعةً قادرة على زعزعة الاقتصاد الأميركي وإسقاطه، أو في أحسن الأحوال، إدخاله في مرحلة كساد عميق وطويل. وقد نشطت مؤخراً الحكومة الأميركية، محاوِلةً التصدي لكل واحدة من هذه المشاكل وما زلنا ننتظر لنرى أثر ذلك.

أما بالنسبة الى قطاع النفط الصخري، الذي يعتبر العمود الفقري لاستراتيجية تحرر أميركا من الاعتماد على النفط الأجنبي، فقد هز الحكومة الأميركية وأزعجها انهيار أسعار النفط الذي يضمن إفلاس شركاتها العاملة في هذا القطاع. وحيث إن السبب الرئيس لهذا الانهيار هو قرار السعودية وروسيا والامارات زيادة إنتاجها في سوق ضعيف الطلب، فمن الواضح أن هدفها هو إخراج منتجي النفط الصخري الأميركي من السوق. لذلك، نتوقّع رد فعل أميركيا تصاعديا، وفق الخطوات التالية:

الخطوة الأولى

بالإضافة إلى إعلان نيتها إطلاق رزمة دعم مالي للاقتصاد ككل تقدر بحوالي تريليوني دولار، وعدت الحكومة الأميركية بدعم إضافي لقطاعات أخرى متضررة، بما فيها قطاع انتاج النفط الصخري. ولأن هذا الدعم قابل للنمو الكبير والسريع، فإن فشله في إنعاش وتنشيط الاقتصاد يعني تكدّسه فوق جبل الدين الحكومي، البالغ حوالي 23 تريليون دولار، ما سيزيد الاقتصاد ضعفاً.

أما بالنسبة إلى محاولة إيقاف انهيار أسعار النفط، فقد أعلنت الحكومة الاميركية أنها بصدد شراء 30 مليون برميل نفط خام لمخزونها الاستراتيجي، مبدئياً. قد تبدو هذه كمية كبيرة، ولكن وقعها الاعلامي أكبر ويستهدف طمأنة الهلع المتزايد في السوق، فهذه الكمية تعادل انتاج 2.5 يوم فقط من النفط الأميركي، كما أنها لا تكفي لأكثر من 7 أيام استهلاك إذا اعتبرنا أن 4.4 ملايين برميل هو السقف المسموح سحبه يومياً من المخزون الاستراتيجي. وحيث إن أميركا تنتج حوالي 12.8 مليون برميل يومياً، وتستهلك حوالي 20 مليون برميل، لا يمكن اعتبار هذه الخطوة منقذاً حقيقياً للاقتصاد أو لقطاع النفط الصخري.

الخطوة الثانية

اتبعت أميركا في هذه الخطوة سياسة المناورة الدبلوماسية؛ بهدف فصل السعودية عن روسيا، وبالتالي التعامل مع كل منهما على حدة. أي إنها تحاول تقسيم مشكلة كبيرة إلى النصف؛ لتصبح مشكلتين «أصغر وأسهل»، فلكل منهما أسلوب مختلف للتعامل.

فاتبعت مع السعودية (التي مع روسيا والامارات تقود عملية إغراق سوق النفط) أسلوب الضغط الأخلاقي اللطيف moral suasion، وبدأت بالتصريحات والمقالات التي تمدح دور السعودية الدائم والفعّال في ضمان استقرار سوق النفط وضرورة استمرارها في ذلك. ثم أعلنت نيتها لإرسال أحد كبار مسؤولي قطاع الطاقة الأميركي إلى السعودية لقضاء أشهر عدة للتوصّل الى اتفاق يعيد استقرار سوق النفط.

وفي الوقت نفسه، ولكن بشكل منفصل، اتصل عضو مجلس إدارة هيئة سكك الحديد لولاية تكساس (الهيئة المشرفة على قطاع النفط والغاز في الولاية)، برئيس منظمة أوبك وعرض أن تقلّص أميركا انتاجها النفطي بمقدار %10 عن مستواه قبل اندلاع وباء «كورونا»، بشرط أن تفعل السعودية وروسيا الشيء نفسه، متوقعاً أن يؤدي ذلك الى ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى 35 دولاراً للبرميل، الذي برأيه سيُرضي الجميع.

ولكن سرعان ما تبرّأت وزارة الخارجية الأميركية من هذا الاقتراح وصرّحت بأن الحكومة الفدرالية لا تمتلك أي سلطة أو صلاحية بهذا الشأن، وأن الأمر متروك لكل ولاية أن تقرر وفق ما تراه وتلتزم على أساسه. كما استنكر رئيس مجلس إدارة هيئة سكك حديد تكساس اقتراح عضو مجلس إدارته، ووصف فكرة تقليص الإنتاج الأميركي بغير عملية إطلاقاً. وأخيراً، سخر ممثلو قطاع النفط الأميركي من هذا الاقتراح ووصفوه بالاحتكاري؛ لأنه يحدد كوتا ومحاصصة، ما يتعارض ومبدأ السوق الحر.

إذاً، كيف يمكننا وصف هذه المحاولة؟ هل كانت مجرد مسرحية وهمية لاستدراج السعودية وربما روسيا وزعزعة عزيمتيهما للمضي في خطة إنقاذ مصدر رزقهم الرئيس؟

الخطوة الثالثة

برزت بوادر الشدة في هذه الخطوة، وبدأت بتوجيه عشرة أعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي رسالة تحث سفيرة السعودية لدى أميركا على طلب حكومتها بالتراجع عن إغراق سوق النفط. كما وقع ثلاثة عشر شيخاً من أعضاء الكونغرس رسالة إلى ولي عهد السعودية، يُذَكِّرونه بالعلاقات الطويلة والطيبة والمجزية بين بلديهما وضرورة الحفاظ عليها. وأخيراً، أرسل أحد اعضاء مجلس الشيوخ رسالة إلى الرئيس ترامب يطالبه رسمياً بمقاطعة نفط السعودية و«أوبك» وروسيا وفرض عقوبات عليها.

وتزداد خطورة هذه المرحلة، ليس لأن أميركا زبونٍ كبير لنفط «أوبك» ويخشى أن يتوقّف عن الشراء، وإنما لأن أميركا تتحكم في جميع خيوط صناعة النفط، ابتداءً بتكنولوجيا حفر وإنتاج النفط ومعداتها، وأسواق وبورصات النفط، ووسائط الشحن، والمصارف وتحويل العملات، وبيع الأسلحة والذخيرة.. إلخ. فأي تعطيل أو تجميد لهذه الخيوط سيلقي بدول «الأوبك» في دوامة عاصفة، ما يدعو الى الحذر الشديد عند التعامل مع طلباتها. وبينما روسيا كبيرة وقوية وقادرة على الدفاع عن مصالحها (على الرغم من العقوبات الأميركية المفروضة عليها)، إلا أن دول منظمة أوبك صغيرة وضعيفة نسبياً.

الخطوة الرابعة

وفي حال فشل الخطوات الثلاث السابقة في تحقيق أهداف أميركا، فقد يأتي دور لعب «كارت الجوكر»، الذي سيصبح سيفاً مسلطاً على رقاب دول «الأوبك» إلى الأبد. فقد يتم استخدام قانون «نوبك»، الذي يجرّم سياسات «أوبك» في الاتفاق على كبح أو إطلاق الإنتاج، والمحاصصة، وتحديد الأسعار. فهو مبني على القانون الأميركي الشهير لمكافحة الاحتكار والمعروف باسم شيرمان Sherman Act الذي سُنَّ قبل مئة وثلاثين سنة؛ بهدف تحطيم الاحتكارات السائدة حينئذٍ؛ مثل شركة روكفلر للنفط. ويتميز قانون «نوبك» بأنه يلغي مبدأ سيادة الدول ويخضعها للقانون والمحاكم الأميركية، وقد تمت محاولة تمريره في الكونغرس الأميركي مرات عدة منذ سنة 2000، ولكنه كان دائماً يصطدم بــ «فيتو» رؤساء الجمهورية. ثم وصل الرئيس ترامب إلى سدة الحكم، وهو صاحب الرأي المؤيد لقانون «نوبك» والمُعلَن جهاراً منذ سنة 2011.

قد يطمئن البعض إلى أن رؤساء أميركا عادة يغيّرون آراءهم بعد تسلُّمهم الحكم، أي بعد أن يوضح لهم الاختصاصيون ما حقيقة العالم والعلاقات الدولية. وخير مثال على ذلك، الرئيس أوباما الذي صوّت مؤيداً لهذا القانون عندما كان في مجلس الشيوخ، ولكنه تغيّر عندما أصبح رئيساً وأصدر «فيتو» رئاسياً ضد إحدى محاولات تمريره. كذلك، بالنسبة الى هيلاري كلنتون التي صوّتت مؤيدة لنسخة قديمة منه في مجلس الشيوخ، ثم أصبحت وزيرةً للخارجية.

ولكن من الواضح أن الرئيس ترامب غير تقليدي، ويختلف عن كل من سبقه في تعامله مع الأحداث الداخلية والخارجية، وبالتالي يمكن تصوّر أنه أكثر مَيْلاً الى استخدام قانون «نوبك» كأداة أو سلاح تكتيكي للوصول إلى أهدافه، بغض النظر عن أي ضرر يصيب الغير. ولذلك، يُخشى في حال عدم انصياع «أوبك» لطلباته أن نشاهد سرعة فائقة في مسيرة اعتماد القانون في الكونغرس، ونفاجأ بوصوله إلى مكتب الرئيس للتوقيع.

3 خيارات أمام دول «أوبك»

يشكِّل قانون «نوبك»، في حال تطبيقه، كارثة عظمى لدول منظمة أوبك، خصوصاً لدول الخليج النفطية؛ فالكارثة ليست فقط في أن إيرادات نفط هذه الدول لا تغطي مصاريف ميزانياتها، وإنما يتعدى ذلك إلى تهديد ثرواتها المتمثلة في استثمارات وودائع ومحافظ سيادية تريليونية في أميركا ودول، تؤيّد مبدأ قانون «نوبك». أي إن هذه الدول المنتجة للنفط معرّضة للتحوّل فجأة من ملاءة مالية إلى شُحّ في السيولة، وربما التعثّر المالي، ما يطلق الخيال لسيناريوهات قاتمة؛ كدول فاشلة وربما حتى أنظمة مستهدفة. فقرار أميركي من هذا النوع قد يعني زيادة حصيلة الدمار عن الدول السبع الشرق أوسطية المستهدفة أصلاً، وفق ما كشف الجنرال ويزلي ويستمورلند قبل سنوات عدة. وبناءً على احتمال اعتماد قانون «نوبك» وضخامة الضرر الناتج عنه، ليس أمام دول «أوبك» غير 3 خيارات:

1 - الانصياع لطلبات أميركا

2 - الانتقال الجماعي إلى صف المعسكر الروسي و/أو الصيني. ولكن كليهما مؤقتان وغير دائمين، لأن شدة ضرر تطبيق قانون «نوبك» وهزّته العميقة ستُربكان هذه الدول داخلياً وخارجياً؛ فيصعب عليها الالتزام بخط سير أو استراتيجية ثابتة.

3 - الخيار الثالث، وهو استباقي لقانون «نوبك»، ويتمثّل في إنهاء منظمة أوبك الآن، خصوصاً أنها لم تعد مؤثرة في السوق، كما أثبتت ضرورة مغازلة روسيا ودول أخرى لدعم «أوبك» لرفع الأسعار، في ما عرف لاحقاً بمجموعة «أوبك+». أي إن مخاطر استمرار «أوبك» أكبر من فوائدها الحقيقية والنظرية.

ولا شك في أن اختفاء «أوبك»، كمنظم للإنتاج والأسعار، سيزيد من حدة تقلّبات سوق النفط وأسعاره ويجعلهما ظاهرة مزمنة، ما سيصعب على الدول النفطية وشركاتها التخطيط الرأسمالي السليم والاستثمار في حقول نفطها القديمة والجديدة، فيتعرّض السوق لجولات من «شحّ» في الانتاج وأخرى بــ «فائض». أي إن مستقبل الدول المنتجة سيتأرجح بين قفزات عظيمة في أسعار النفط تفرحها، ونكسات طويلة تزيد من عجوزات ميزانياتها. ولن تسلم شركات النفط العالمية؛ إذ إن هذه التقلّبات الحادة ستسهم في تراجع استثمارها الرأسمالي؛ فينخفض إنتاجها تدريجياً وتتقلّص حصصها السوقية.

والسؤال الأخير هو: هل كان أمام الدول المنتجة أي خيار غير إغراق السوق بالنفط لإخراج منتجي النفط الصخري الأميركي؟ الجواب طويل، ولكن باختصار شديد: لا، لم يكن لها على المدى القصير غير هذا الخيار على الرغم من خطورته. فلو انتظرت مدةً أطول لضاعت فرصتها للمحافظة على نفطها وإيراداته على المدى الطويل. فالمخاطرة الآن أفضل من فشل محتّم في المستقبل.

مروان سلامة


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking