آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

665

إصابة مؤكدة

1

وفيات

103

شفاء تام

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ظهرت في أوروبا حقبة أُُطلِق عليها La Belle Époque أو الحقبة الجميلة، وقد تميّزت تلك الحقبة بسيادة مفاهيم جديدة؛ كالتفاؤل.. والسلام الإقليمي والنهضة الثقافية. ففي باريس بالتحديد، ازدهرت الفنون وخرجت أبلغ الإصدارات الأدبية، وسطع نجم المسارح والعروض المرئية بشكل غير مسبوق. ولم تقتصر تلك الحقبة على باريس، بل امتدت الى لندن وأستراليا والبرازيل والمكسيك، وآسيا كلها.

لربما تفسّر عولمة تلك الحقبة الجميلة من التاريخ البشري طبيعة العدوى بين البشر.. نسترجع ذلك اليوم ونحن نواجه عدوى «كورونا»، التي لم تفرّق بين البشر، ولم تفرزهم كعرق أو لون أو طائفة.. وقد تكون هنالك دروس جميلة من هذا الوباء القاتل، نتمنى لو أننا جميعا أدركناها واستوعبنا عبرها؛ فالعولمة التي نتحدث حولها وننظّر فيها لا تغربل الأحداث ولا شخوصها.. ولا تتعامل مع ما تمر به البشرية بانتقائية؛ فالاقتصاد واحد كما الوباء، والحروب تبعاتها عولمية يتأثر بتبعاتها كل الأطراف.

دروس الوباء كثيرة، أهمها على الإطلاق أن مصيرنا كبشر مترابط، وأن علاقتنا بالطبيعة وبأمنا الأرض. وهي بيتنا المشترك، علاقة تراتبية ومتبادلة، نتقاسم ثمراتها، ونحصد غضبها علينا. فالطبيعة قادرة، وكما رأينا على الانتقام لنفسها من ممارسات البشر المخجلة، والتي أضرت بسلامة الأرض؛ فجردت الغابات من شجرها، ودمرت التنوّع البيولوجي الطبيعي، وساهمت في التغيّر المناخي، الذي جعل الغابات تشتعل والبحار تجفّ والكتل الجليدية تذوب!

أول دروس الوباء أن الطبيعة اليوم في حالة ثورة ضد كل ممارسات الإنسان العنيفة؛ فالأعاصير والأوبئة والبراكين والزلازل هي لغة الطبيعة في التعبير عن غضبها. ولعل آخر ما عبّرت عنه الطبيعة في غضبها جاء على هيئة فيروس فتّاك.

ومثلما شهد العالم في حقبة ما بعد الحرب الأولى انتشارا عالميا للفن والموسيقى والأدب والمسرح ساد كل بقعة من الأرض، كذلك ستكون تبعات ما بعد «كورونا»؛ فالعالم حتما سيكون أكثر وعيا لصحته، وأكثر إدراكا لأهمية النظافة الجسدية. وبالطبع ستؤثر «الكورونا» في مفاهيم بشرية كثيرة؛ كالتواصل والتعليم والعلاقات البشرية، وسيصبح الإنسان أكثر يقينا بترابط مصيره فوق هذه الأرض، وسيكون كل من عليها معنيا بشكل مباشر بما يحدث فيها، وفوقها.

نتمنى لو نخرج من أزمة «كورونا» بإعادة نظر جادة وناضجة في فلسفة التعليم والتواصل البشري، بعد أن أجبرت هذه الأزمة المدارس على إخضاع فكرة التعليم عن بُعد على طاولة الاختبار. وأصبح العمل غير مرتبط بالموقع بل بالأداء؛ فأنجزت الشركات أعمالها ومهامها من البيوت، ولم يعد الموظف بحاجة الى طاولة وكرسي لينجز مهامه.

كثيرة هي الأمور التي سيعمل فيروس الكورونا على تغييرها، ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا ان العالم مقبل على حقبة مفصلية، هي حقبة ما بعد «الكورونا»، تماما، كما شكّلت La Belle Époque حقبة جديدة شهدتها البشرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking