آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

665

إصابة مؤكدة

1

وفيات

103

شفاء تام

الكارثة كيف تعيد التئام شمل العائلة؟

مهاب نصر -

من النوافذ نصف المفتوحة ومن أفاريز الشرفات خرج سكان بعض العواصم والمدن الأوروبية المنكوبة في أسبانيا وإيطاليا والنمسا في مشهد يمنح الأمل رغم ما يتضمنه من وجيعة، أفراد وأسر معزولة بحكم الحجر الصحي وحظر التجوال، يعلنون في لحظة بعينها تضامنهم وإنسانيتهم جميعاً في مواجهة شبح الوباء، ويحيّون أطباءهم ومسعفيهم: جنود الصف الأول في هذه الحرب المفتوحة. لكن ثمة مشهداً آخر هو مشهد الهلع والتنصل. تحكي امرأة آسيوية تقطن العاصمة باريس وقت ظهور وباء كورونا في مدينة ووهان الصينية ما تعرضت له من إهانة، تقول: «عندما كنت أستقل حافلة في باريس، سمعت إحدى الراكبات تهمس (بيننا امرأة صينية هنا، ستنقل لنا العدوى جميعاً. عليها العودة إلى بلادها)».

هي الكارثة إذن تكشف وجهي المجتمعات الإنسانية، إذ ثمة وجه آخر بغيض، وكأن الوباء فرصة لإظهار الضعف البشري المتمثل في الأنانية، عوض أن يكون عتبة لإعادة رأب الصدع والتئام العائلة الإنسانية، التي فرقها الجشع والاستهلاك والاستخفاف بالمصير المشترك. أي دور للثقافة هنا؟ وكيف يمكنها أن تهيئ فسحة لتعقّل الكارثة وتجاوزها؟

توحّد من جديد

الروائي الكويتي، مدير دار نشر «الخان»، خالد النصرالله يقول لـ القبس:

الكوارث، إذا ما أردنا أن نجري مسحاً تاريخياً عن المعنى السلوكي للمفردة، هي الاختبار الحقيقي للانتماء والتوحد، ومن زاوية أخرى تكشف مدى جدية شعب أو أفراد تجاه أفكارهم أو أرضهم، فالتصدي للكوارث بأشكالها يعكس مدى الثقافة التي تشربها هؤلاء عبر زمن محدود، لأن الكارثة بطبيعة حالها طارئة، تحدث على الأقل كل عشر سنوات وأخرى، وأحياناً قد لا تحدث عبر قرن بأكمله. الكويت أجدها من الدول التي باتت معتادة على الكوارث، فقد مررنا عبر التاريخ بأزمات أوبئة وحروب وقحط ونزاعات داخلية وتهديد مستمر يُشعرنا بقرب الخطر، صحيح ان الأزمة الحالية كشفت بعض التصرفات التي تنم عن الأنانية والفوضوية على الأقل في بدايتها، لكني لا أستطيع إلا أن أعتبرها أقلية بمقابل أغلبية انتقدت وأيّدت الالتزام بنصائح المختصين والإذعان لتوجيهات الدولة بما فيه مصلحة الجميع، ويظهر هذا من ثناء العامة، إذ معروف عن الكويتيين الانتقاد المستمر للأداء الحكومي في حالات التقصير.

لا أستطيع أن أقول إن لدينا ثقافة الكوارث، هذا إقرار كبير وجازم، لكن يمكنني أن أقول ان الشعب أظهر حس المسؤولية عند الحاجة الحقيقية، كما أن بعض رجال الأعمال بادروا بتقديم خدماتهم المادية وتسخير إمكاناتهم للدولة، وهناك أعداد كبيرة من المتطوعين الشباب الذين آثروا أن يقوموا بأي فعل إيجابي لمواجهة الخطر. لست من الأشخاص الذين يتوجهون بالخطب الإيجابية، على عكس من ذلك، فإنني بصفة الروائي أبحث عن الانكسارات، ولعل هناك من تحدّث عن أن هذه الأزمة أفرزت الطائفية والفئوية وغيرهما، لست مع هذا الرأي، لأنه ما إن استوعب الجميع جدية الأمر عادوا الى تنظيم صفوفهم وتوحدوا من جديد.

الخيار الإنساني

من جهتها، تشير الكاتبة والقاصة الكويتية استبرق أحمد إلى ما تكشف عنه الكوارث أحياناً من استغلال يتسم بالرعونة مؤججاً الكراهية أو انعدام الثقة، تقول:

العالم قائم على بلاهة أكبر حالياً، حيث المبالغة وضعف الترسانة الأخلاقية، لذا فالمواجهات شبه يومية تجاه اضطراب أفق البعض، إذ تطالعنا هستيريا الأخبار الزائفة والمفبركة والمؤججة دون لحظة لالتقاط أنفاسنا في الواقع أو منصات التواصل الاجتماعي.

هذا المكوّن من مدعي الثقافة والعوام له قدرة متجددة على أن تصدمك ونفس طويل لمعارك «اللاشيء»، في الأحداث الاستثنائية تزداد الأمور سواداً ويتعرى هذا البعض أكثر، فيستقوي هذا الخليط مستعملاً الإسلوب ذاته، ولكنه يستغل «الخوف» ويخترق دون عناء مناعة الأغلبية للتعصب.

تجعلنا الكوارث نرى بوضوح تآكل العقلانية والطرح الهادئ، نعاين تفشي نار الكراهية وليس دخانها الذي يظهر في الأحوال العادية فقط، نواجه حقيقة أن الوعي والمنطق اللذين يقتضيان التعاضد والتعاون من قبل كل الأطياف في المجتمع هما آخر ما يجري الالتفات إليهما. إذ لا ننتبه مطلقاً الى ان هناك فرقاً هائلاً بين أن نتساءل عن الاحترازات والإجراءات، ونبادر منتقدين أي تخاذل ومقترحين الحلول، وبين أن نشكك «متعمدين» أو «بسذاجة مخجلة» من أجل ظهور إعلامي، أو نجومية معينة، أو شعبوية مقيتة أو شوفينية ساطعة، ففي الأولى ما يدل على حرية التعبير في التعاطي مع الأزمات، وفي الثانية تقويض للمبادئ وانتقاص من العمل والإنسانية في فجاجة سندفع ثمنها جميعا.

لكن أليس ذلك ما يدل أكثر على رداءة العالم؟ إذ بات حتى الخيار الإنساني البديهي تتمسك به بعض الدول في التعامل مع وباء كورونا، فتتجه الى حماية إنسانها بمهنية واحتراف، وتنقل خبراتها في المكافحة لضرورة انحسار الفيروس من البشرية لدول أخرى، بينما يقرر البعض الآخر احتكار الإجابة، أو التضحية بالفئة الضعيفة، أو يحاول رئيس إحدى الدول، وفق تأكيدات تقرير صحافي، الاستحواذ على لقاح الكورونا استئثاراً لجهود شركة ببلد آخر حرصاً على أولوية علاج مرضى بلاده دون غيرهم. وهكذا نرى التوحش في ازدياد.

الوعي والتنظيم

الباحثة والكاتبة الكويتية فتحية الحداد تستشهد بنموذج مواجهة الشعب الكويتي لكارثة «الغزو» وإعادة تنظيم الصفوف كمثال يجب استذكاره بدلا من الشعور بالخوف والارتباك تقول:

مع صعوبة تحديد مفهوم «الثقافة» اخترت عنصري «الوعي» و«التنظيم» لنركز على آلية «التنبؤ والتحديث» التي تتماشى مع «الكوارث»، مستخدمين مبدأ مقارنة «النماذج»، محددين الشريحة التي نتناولها، لنخرج بمحصل ما. الكويت كنموذج تعرضت لكارثة الغزو وردة الفعل الأولى للصدمة كانت الصمت والشعور بالعجز. باستيعاب الموقف وبحلول اليوم التالي عزز التنظيم التطوع في مختلف المجالات فسارت عجلة العمل بشكل ضمِن أولويات الحياة المشتركة في مجتمع وقع تحت كارثة الاحتلال. الوعي الجماعي همش الفردية أو الأنانية، والتنظيم كان مشهدا يوميا عند أفرع الجمعيات والمخابز، حيث طوابير تمتد ساعات يلتزم فيها المستهلك بقدر محدد من المُنتج.

في المسار ذاته، ورغم جسامة العقوبة، استطعنا تكوين فرق تطوعية توزع المنشورات للتعريف بساعات حظر التجول ونشر «الوعي» لكيفية وضع الكمامات في حال لجوء المُحتل إلى استخدام الغاز. هذا على مستوى الأفراد أما الحكومة، وهي في الخارج، فنسقت مع الداخل، لتصل الأموال إلى الناس وفق قوائم أنشأها متطوعون ملمون برصد البيانات. لم يقف الأمر عند السلع الاستهلاكية اليومية فقد قام الشباب أيضا بالتواصل مع الحكومة في الخارج لإرسال المعلومات الخاصة مثلا بإنتاج النفط ومصانع البترول وغيره.

«التنظيم» و«التحديث» و«رصد البيانات» أدوات معرفية ثقافية مكنت الحكومة الكويتية اليوم من إجراءات احترازية لم نستوعبها في البدء، فارتفع صوت الخوف وانتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي رسائل مرتبكة مُربكة. ربكة كشفت نمط الثقافة المطلوب وضرورة «إعداد» العامة من الناس لتوقع غير المتوقع وتحفيز «التنبؤ والتخطيط» عند المسؤولين. فرق الاطفاء في بريطانيا تُـفاجئنا في المدرسة الداخلية بصافرة الإنذار في الرابعة فجرا وسط الثلوج لضمان تطبيق تمرين الخروج من منطقة الخطر، أما في اليابان، حيث الروابط الاجتماعية أضعف بكثير مما عندنا، فالأنانية أو «الفردية» لم تعرقل شعب استغنى عن الكلام بالعمل لمواجهة كوارث الزلازل المتكررة.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking