جون ماكين شخصية سياسية لافتة تجبرك على احترامها مهما كان دينك أو انتماؤك. إن شخصية ماكين والمفاهيم الديموقراطية الأساسية التي يمثلها تشكّل عتبة الوعي الديموقراطي الحقيقي في العالم المتقدم، وهو من جيل يعتنق حقاً المبادئ التي تخرج من فمه.
فماكين جمع صفات عدة يندر أن تراها في شخصية تمتهن العمل السياسي العام، وعمل في كل مراحل حياته من أجل وطنه، وكان المبدأ الذي اشتهر به هو أن عليك أن تضع مصلحة وطنك فوق مصلحة الحزب الذي تمثله، وحتى عندما تم أسره في فيتنام لخمسة أعوام قضى منها سنتين ونصفاً في عزلة تامة وفِي زنزانة انفرادية وتعرض للتعذيب، عرض عليه إطلاق سراحه فرفض مغادرة زنزانته من دون إطلاق سراح رفاقه في الأسر.
ومن بطولته واستبساله في الحرب مع فيتنام، أظهرت الانتخابات الرئاسية في 2008 بسالة من نوع آخر في الميدان السياسي، فقد كان في منافسه مع باراك أوباما ذي البشرة السمراء الذي يشيع عنه خصومه بأنه مسلم، لقد رفض ماكين توجيه أي تعليق عنصري ضد خصمه أوباما ورفض اللعب بورقة العنصرية التي كانت كفيلة بتحقيق انتصارات مدوية في صفوف الجناح المسيحي المتشدد الذي يهيمن على الحزب الجمهوري اليوم.
البطل الشارد من قطيع الحزب الجمهوري وهكذا كان يعرف Maverick كان شجاعاً في نقده للحزب الذي ينتمي اليه، واتهمه بالتخلي عن المبادئ الأساسية للحزب الذي يُؤْمِن بها من احترام المؤسساتية واحترام القضاء وحرية الصحافة، ولَم يخفِ سخطه وغضبه من السياسات التي يتبناها الحزب الجمهوري الحالي بقيادة ترامب وسبح عكس التيار عندما جنح حزبه باتجاه التيار المسيحي المتشدد، والذي يشجع على السياسات ذات البعد العنصري والمعادية للمهاجرين، وعارض سياسات الحزب في قوانين مفصلية، مثل إصلاح التمويل الانتخابي وقوانين الهجرة، وبالطبع عارض حزبه في سعيه لإلغاء قانون الرعاية الصحية الذي مرره باراك أوباما.
لماذا شخصية جون ماكين مهمة معنوياً لكل من يعمل في الميدان السياسي؟ هل لأننا في حاجة لأن نتعلم أنه من الممكن أن تخوض منافسة شريفة مع خصمك من دون أن ترسله الى السجن؟ أو أن تتمتع بشرف الخصومة، فلا تلفِق الإشاعات والأكاذيب حول من تختلف معه، وتحاول أن تعدمه سياسياً واجتماعياً؟ بل وتدافع عن خصمك مهما كلفك الأمر من «أصوات»، أم هو درس التمرد على الحزب عندما ترى سياساته تتعارض مع مصلحة بلادك، أم أن تكون لديك أخلاق ومبدأ في عالم السياسة الذي يندر أن تجد فيه نموذجاً بطولياً وأخلاقياً كنموذج جون ماكين!

سلوى سعيد
viewpointclm@hotmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات