آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

26192

إصابة مؤكدة

205

وفيات

10156

شفاء تام

بريد القبس: جسد بلا روح

د.ولاء حافظ-

أنا أم أرسل هذه القصة ربما لأجد عندك بابا جديدا أتلمسه بعدما طرقت أبوابا كثيرة في حل مشكلتي، التي قد تبدو غريبة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لكنها بكل أسف واقع تعيشه بعض الأسر وتتوارى بين أحداث الحياة وأيامها.

يا سيدتي.. أنا ربّة منزل منذ أكثر من عشرين عاما، بعدما أُقنعت أن فلذات أكبادي هم هدفي الأول ولا ضرورة للعمل، خاصة أن زوجي من رجال الأعمال الأثرياء، وبطبيعة عمله لا يتواجد كثيرا، فما كان مني بعد ولادة أول طفل سوى التخلي عن عملي والتفرغ لأسرتي الصغيرة من رعاية ومتابعة والاستمتاع بكل لحظة فيها، ورغم ذلك وفر لي زوجي كل سبل الراحة من المسكن المنفرد بعيدا عن تدخلات أسرتينا، واشترى لنا بيتا جميلا كبيرا تطلب الكثير من الخدم، وفي سنوات قليلة امتلأ هذا المنزل بالصبيان والبنات، وتوالت الأيام بعد الأيام فمنهم من تخرج في أعرق الجامعات، ومنهم من لا يزال يدرس في أكبر المدارس الأجنبية التي باتت المسيطرة على المستوى التعليمي السائد وتليق بالمستوى الاجتماعي للأسر المخملية كنوع من التفاخر الاجتماعي وأيضاً للثقة بأن كل ما يملك لا بد أن يصب في تحقيق مستقبل مشرق للأبناء، لكن تداخل الثقافات الغربية في منهج التعليم يا سيدتي يبدو في بادئ الأمر نوعا من التطور والتحضر والتألق العلمي، لكن له وجها آخر قبيحا يدفع ثمنه الأبناء والآباء، فمنذ فترة ليست بالبعيدة لاحظت على ابنتي الصغرى بعض التغيرات التي بدأت تظهر على شكلها العام من اختيار ملابسها وكلماتها التي قليلا ما تسمع فيها المفردات العربية ويغلب عليها المفردات الإنكليزية، التي بالكاد أستطيع تفسيرها من شدة إتقانها للكنة الغربية. كنت أظن في بادئ الأمر أنه أمر مهم أنها تمكنت بإتقان من نطق اللغة الإنكليزية ولا يتعثر عليها فهمها وقراءة أي كتاب، لكن لم يكن الأمر على هذا النحو فقط، إنما بدأت أرى ابنتي ترتدي معظم الوقت اللون الأسود وصبغات الأظافر السوداء وتردد بعض الأغاني الأجنبية الصاخبة بحب وتفنن، بل وتجتمع من صديقاتها اللاتي على نفس الشاكلة لاحتفالات غير مبررة في المنزل.. في بداية الأمر بدأت معها بالنصح والإرشاد والتوجيه حتى وصل الأمر الى الجدال والصراخ والمنع أحيانا كثيرة من الالتقاء مع صديقاتها حتى وإن كان بمنزلنا، إلا أنه يا سيدتي ما وجدت كان أكبر من كونهن صديقات والحفلات والصخب.. فدخلت يوما عليها لأجدها على هيئة مرعبة من تسريحة الشعر الهائجة والمكياج القاتم وعارية تماما وتقوم بالرقص على أصوات صاخبة، والأغرب من ذلك أن الأرضية كانت ملطخة بدماء لا أعرف مصدرها، مما دفعني لحالة هياج شديدة كدت أن أنزع روحها بيدي، ومنذ ذلك الحين قطعت صلتها بكل من تعرف حتى المدرسة انقطعت عنها، ولكنها يا سيدتي اعترفت بنفسها بالكارثة التي كادت ان توقف قلبي انها من «عبدة الشياطين» وتردد عقائد كفرية صادمة لا أدري متى ولا كيف تشبعت بها. لم أترك داعية أو شيخا إلا وجلبته لها ليحدثها بالحسنى، ولكن كلها محاولات فاشلة، إذ انها تهدد طيلة الوقت بالانتقام أو الانتحار الذي انقذتها منه مرارا وتكرارا.. باتت الحياة قاتمة في نظري ولا أجد من والدها سوى اللوم والعتاب أو الهروب بحجة العمل والمسؤوليات، أما الإخوة والأخوات فعلى ما يبدو ان المسافات بينهم كانت بعيدة إلى حد أن كلا منهم يرى انها حرية شخصية وكل مسؤول عن حياته ورغباته، مصيبتي يا سيدي عظيمة فخيبة الأمل تملأني ومشوار العمر أصبح هباء منثوراً.

* * *

الرد

عزيزتي الأم أقدر مشاعرك كلها من خيبة الأمل والاحباط واللوم وربما الصدمة والمفاجأة، ولكن على ما يبدو ان المصيبة الأكبر هي اكتشافك ان المسافات بين الاخوة لا تعدو مختلفة عن المسافات بين الزملاء في العمل أو ناد رياضي فلربما كانت بين الأصدقاء أكثر قربا منها بين الاخوة والاخوات.. فأين كنت يا عزيزتي وكل منهم يبني لنفسه حياة وأهدافا مختلفة تحت سقف واحد لا تجمعهما الحميّه ومشاعر الخوف أو المسؤولية، لربما يكون هذا أغلى ثمن يمكن ان تدفعه الأسر الثرية التي تظن ان البيت الكبير هو الملاذ المريح الذي يوفر لكل من أفراد الأسرة الخصوصية ليفيقوا على فرقة تعجز أي مشاعر ان تحيك خيوطها في ثوب واحد مرة أخرى.

أما قضية «عبدة الشيطان» فهو واقع مرير يطل برأسه على مجتمعاتنا العربية من الحين للآخر، واقع صادم عار عن اي قيم ووازع ديني تأصل في الإنسان واستقاه حتى بلغ الثمالة وحينها يكون محصنا لدرجة تعجز عنه الأفكار المضللة والمتطرفة ان تتسلل إلى عقله وقلبه. يا سيدتي الاقتباس والانخراط في الثقافات الغربية من باب التحضر والتقليد ليس بالأمر المذموم، ما دامت الرقابة الأسرية والتربوية قائمة بالتوازي مع هذا القالب التعليمي الجديد، فالمراقبة كلمة تحمل الكثير من فنون التربية والاحتواء والتعامل ووضع أسس يقبلها المجتمع والدين.

ورغم ذلك أقول لك يا سيدتي الأمر ليس بالمستحيل ان يتم تقويمه واعادة بنائه، ولكن ليس من بعد التفريط يأتي الافراط، فلا المنع والمحاصرة بالشيوخ والدين تبدأ الحلول بل ستتعقد وتتصلب أمامها الفتاة، أول ما يمكن فعله هو تغيير المناخ والواقع بأكمله وان كان فترة وما دامت الحياة ميسورة فلا بأس من ان تمنحي نفسك معها الانتقال إلى بلد آخر تستكمل فيه دراستها تحت رعاية تربوية متخصصة. فبناء الثقة يا سيدتي بينك وبينها يحتاج من الوقت والصبر والجهد لتصل بها إلى بر الأمان. الكثير من الدعاة ذوو الطابع التنموي يمكن ان يكون احد الحلول اللاحقة بعدما تتم اعادة تشكيل سيكولوجية متزنة للفتاة تستطيعين من خلالها تصحيح العقيدة واستبدال كل الأخطاء والثغرات التي تمكن منها الشيطان واتباعه بالفهم الصحيح لركائز الدين والقيم ، وقد تكون بداية لك انت شخصيا لاعادة ترتيب أولويات الحياة وفهم الكثير مما كان ينبغي فهمه من أجل الشعور بالسعادة الحقيقية والاطمئنان بعقيدة سليمة صامدة على فتن الحياة. عندما يتراكم على المرء كل شيء ويصـل إلى نُقطة لا يتحمل بعدها أي شيء عليه أن يحذر الاستسلام ...ففي هذه اللحظة سيتم تغييـر قدره إلى الأبد .

عزيزتي الأم وكل أم، فالرسالة لن تنتهي ما دامت الروح في الجسد، فليتحد القلب مع العقل بتضرع وافتقار إلى الله عز وجل ليمهد لك الطريق، فما للإنسان ان يبدل حالاً إلى حال الا بحوله وقوته.

تحياتي نستقبل رسائلكم على dr.walaa.hafez@alqabas.com.kw

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking