آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

855

إصابة مؤكدة

1

وفيات

111

شفاء تام

«جلاء الغبش» كتاب يجعلك تعيد النظر بكتب التاريخ المعاصر!

سعدية مفرح - 

يضعنا د.عبدالعزيز بن محمد آل عبدالله في كتابه الجديد «جلاء الغبش»، الصادر عن دار جداول للنشر والتوزيع، أمام معضلة تتعلق بطريقة كتابة التاريخ وقراءته أيضا، كما يضع أمامنا عبر هذا الكتاب الرشيق عدة أسئلة تتعلق بمعنى التوثيق وأسسه، بالإضافة الى كثير مما تعاهدنا على الأخذ به كمسلمات مرجعية لمجرد أننا أطلقنا عليه الصفة التاريخية في المؤلفات والمصنفات.

الخطير أن كثيرا من هذه المسلمات المرجعية كانت هي الاساس الذي بنيت عليه مسلمات مرجعية أحدث منها، اكتسبت في ما بعد الصفة التاريخية أيضا.. وهكذا استمرت المتوالية غير المبنية بالضرورة على حقيقة! يقول مؤلف الكتاب، وهو باحث وعضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود في تقديمة لكتابه، إن خطورة التزوير والعبث في التاريخ تكمن «في أنه تُبنى عليه معلومات خاطئة، وتصورات مشوهة، وأحكام جائرة، ونظريات واهمة، ويُستشهد به على صحة كثير من الأمور الباطلة، فالمادة المكتوبة لها سلطانها على أذهان كثير من الناس مهما بَلَغَتْ من الضعف والتهافت، فبمجرد أن توجد المعلومة في كتاب منسوب إلى مؤلف معلوم أو مجهول، فإنها تكتسب قدرًا من الأهمية، وتصبح قولًا يُعتدّ به عند كثيرين، ولو كانت مخالفة للبدهيات والمسلّمات».

الكتاب نشر بعنوان رئيس؛ «جلاء الغبش»، بالإضافة الى عناوين أخرى شارحة على النحو التالي؛ «وقفات في تعقب المختلقات في مصادر التراث، الوقفة الأولى، قراءة في بعض مصادر التاريخ المحلي». ويوحي العنوان الرئيس بالسمت التاريخي للموضوعات التي يتناولها في ما يزيد على 200 صفحة، حاول فيها المؤلف أن يجلي ما يسميه غبشا عن بعض المصادر التاريخية الحديثة والمعاصرة، بل ويشكك فيها مستندا على أدلة وقرائن تبدو مقنعة بشكل كبير.

ويستغرب المرء كيف عبرت تلك المصادر التاريخية، بشهرتها الكبيرة، الزمن بما تحتويه من حمولات موضوعية كثير منها مغلوط بشكل واضح! أما العنوانات الشارحة فتوحي بأن هذا الكتاب عبارة عن جزء أو وقفة أولى تليها وقفات أخرى تتناول كتبا مرشحة للفحص والتمحيص من قبل الباحث، الذي يؤدي عبر هذه السلسلة، كما يبدو في جزئها الأول جهدا كبيرا يفوق إمكانات الجهد الفردي. ولا أدري إن كان من المناسب اقتراح تحويل مثل هذا المشروع الى فريق عمل بإشراف الباحث نفسه أم لا، فمثل هذه الموضوعات الإشكالية التي تؤدي الى متواليات لاحقة من الأفضل والأكثر دقة أن يضطلع بها فريق مكون من تخصصات مختلفة، تتماس مع موضوع البحث مع احتفاظ صاحب الفكرة الأساسية بحقه في النظرية الأولى بالتأكيد.

تناول الباحث في وقفته الأولى، التي كونت مادة الكتاب كله، خمسة مؤلفات شهيرة جدا وهي: «تحفة المشتاق في أخبار نجد والعراق» للشيخ عبدالله البسام، وكتاب «الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر» لمحمد البسام التميمي، وكتاب «لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب» لحسن بن جمال الريكي، وكتاب «رحلة مرتضى بن علوان الى الأماكن المقدسة والإحساء والكويت والعراق» لمرتضى بن علي بن علوان، وكتاب «مذكرات مستر همفر» الذي يفترض أن المدعو مستر همفر قد كتبها بنفسه! ورغم الشهرة المدوية لهذه الكتب، أو بعضها على الأقل، فإن آل عبدالله كان جريئا في التشكيك بها وبنسبتها الى الأسماء التي اشتهرت بأنها قد ألفتها، مستندا الى منهجية واضحة اعتمد فيها على ثلاثة محاور أساسية وهي: التناقضات الزمنية، والغرائب والعجائب، واللغة والأسلوب والإملاء. وقد اجتهد الباحث في تطبيق هذه المنهجية بدقة شديدة وعناية فائقة على نماذجه المختارة فعلا. خصوصا عندما ذهب في خاتمة كتابه الى ما يمكن أن يكون تناصا حقيقيا بين كل تلك الكتب التي يفترض أن مؤلفيها مختلفون! أما دوافع تلك الاختلاقات والأباطيل التي يُدس بعضُها في كتب لها أصول صحيحة، أو في كتب مختلقة من أساسها، فهي دوافع شتى، فمنها: الرغبة في حيازة الشرف والمجد لقوم دون قوم آخرين، أو محاولة طمس تاريخ بعض الأمم والشعوب وتشويهه، وزعزعة هذه الأمم في تاريخها، وتحطيم معنويات أفرادها، وإحداث الهزيمة النفسية فيهم، ويحدث ذلك أحيانًا بُغية تشويه حركة معينة أو دين أو مذهب أو جماعة؛ بهدف صدّ الناس وتنفيرهم، وتدخل في ذلك العصبيات المذهبية والقومية والقبلية وغيرها.

ويعرف المؤلف أن نظريته في هدم أساسات بعض كتب التاريخ، التي بدأها بخمسة كتب، ستجد من يعارضها تماما لأسباب منها كما ذكر «أن هناك من اعتمد على بعضها لمعرفة وتوثيق أحداث متقدمة تتعلق بأسرته أو قبيلته أو بلده، خصوصا أن بعض هذه المؤلفات قد نسبت مجدا أدبيا لأسرهم وقبائلهم وبلدانهم يخشون أن يضيع لو هم سلموا بوهميتها».

ومن الذين يرى الباحث أنهم سيعترضون على النظرية نفر من الذين عملوا على تلك الكتب كمصادر علمية، وكانت لهم بحوث وربما رسائل أكاديمية عنها، بالإضافة الى من اتكأوا على تلك المؤلفات أو بعضها، لأنها وافقت رغبة لديهم في تشويه جماعة معينة أو أشخاص معينين، وأخيرا بعض الأدعياء والمتطفلين على البحث والتحقيق العلمي لأهداف شخصية وحسب. ينتهي القارئ من قراءة صفحات كتاب جلاء الغبش الذي يوزعه في الكويت مركز ومكتبة طروس للدراسات والنشر، وقد تزود حماسة كبيرة لقراءة كتب التاريخ القريب من جديد، ولكن بعيون فاحصة هذه المرة!

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking