عبد الدائم السلامي

عبد الدائم السلامي

محمد حنفي -

د. عبدالدائم السلامي ناقد تونسي زار الكويت مرات عدة، آخرها للمشاركة في ندوة مهرجان القرين الثقافي 26، استمعت إليه أكثر من مرة، وفي كل مرة أيقن أنني أمام ناقد مختلف يحمل خطاباً نقدياً مغايراً للخطاب السائد في «هوجة» النقد العربي، على عكس ملامحه الودودة وصوته الهادئ يأتي خطاب السلامي مشاغباً، إذ يضع يديه على أزمة النقد العربي بلا مواربة، القبس التقت السلامي وكان هذا الحوار.

ـــ زرت الكويت أكثر من مرة آخرها كانت للمشاركة في ندوة مهرجان القرين الثقافي كيف تقرأ المشهد الثقافي في الكويت؟

ـــ حين أزور بلاداً فإني لا أزور مادة فضائها العمراني بما فيه من بنايات وشوارع وأسواق ومطاعم فحسب، وإنما أزور أيضاً مُتخيَّل ذاك الفضاء من حيث ما هو علاقات وإشارات ومعاملات وقوانين، وفن هندسة وكتب وأخلاق. والحق أقول إن الكويت بلاد جاذبة للناس بكل ما ذكرت، ولذلك لا يخطئ المرء فيها الشعور بلُطف مزاج أهلها في تواصلهم وتسامحهم مع الزائرين، وقد سُعِدت في زيارتي لها بلقاء نَفْر من مبدعيها المتميّزين على غرار طالب الرفاعي، وليلى العثمان، وسعاد العنزي، وسعديّة مفرح، وفهد الهندال، وعبدالله البصيص، وحمود الشايجي، وأسعدني من قبل لقائي بآخرين منهم في كتبهم ومقالاتهم، مثل سعود السنعوسي والراحليْن إسماعيل فهد إسماعيل وناصر الظفيري.

مشهد ديناميّ

ولو أردت وصفاً للمشهد الثقافي الكويتي، أعني لِمَا أمكن لي الاطلاع عليه منه، لقلتُ إنّه مشهد ديناميّ، غير متلكِّئ في خطوته، وتتفاعل فيه مجموعة كبرى من الفنون كالأدب والمسرح والسينما والتشكيل، وعلى ما لاحظت فيه من تباين في الرؤى الفنية والمضمونية بين المبدعين واختلاف في تصوّراتهم لمسيرة الفعل الثقافي، فإنّي أرى أن ذاك التباين، وذاك الاختلاف إنما هما شكل آخر من أشكال تواصلهم بعضهم مع بعض، بل إن في ذاك الاختلاف، متى روعِيتْ فيه أخلاق الاختلاف ولم يتحوّل إلى خلافٍ، ما يُولّد الطاقة الكفيلة بدفع الثقافة الكويتيّة نحو آفاقٍ لها وسيعة.

ـــ لديك مشروع نقدي يعمل على تطوير قراءة الأدب العربي يعتمد على «الخروجِ من حيِّزِ التطبيق الأمين لتعاليمِ نظريات النقد الغربية إلى حيِّزِ التفكير معها» كما تقول في كتابك «كنائس النقد»، فما آفاق هذا المشروع؟ وعلامَ تُراهن في دعوتك إلى بلاغة النص النقدي بعيدا عن اللغة المتخشّبة التي يستخدمها الناقد العربي؟

- يبدو لي أنّ ما أكتبه لا يرقى إلى مَرَاقي المشروع النقديّ وإنما هو يقع في حيّزِ المقترَحِ القرائيّ الذي أسعى فيه إلى أن أُثيرَ في القارئ العربيّ مجموعةَ شكوكٍ متّصلةٍ بمدى وجاهة المناهج النقديّة الغربية في قراءةِ نصوصنا الإبداعية، أيْ أنْ أجعله يُخرج تلك المناهجَ والمقارباتِ من فضاءِ القداسة الذي أسكنها فيه نقّادُنا الجامعيّون إلى فضاء السؤال.

والسؤال الذي حاولت الإجابة عنه، وقد طرحه قبلي باحثون كثيرون، هو كيف تتحقّق إبداعيةُ الكتابة النقدية ليتحوّلَ النقدُ من خطابٍ عن المقروء إلى خِطابٍ مُبدعٍ بالمقروء، ومن ثمّة يمحو مسافة النُّفور بينه وبين الناس بسبب ما يُشاع بينهم من أنه خطاب غير أدبيّ تهيمِنُ عليه صفةُ الخطابِ الواصفِ للنصوص بجفافٍ لغويٍّ وصَلَفٍ عِلْمَويٍّ، ولا يتوفّر على شرعية انتمائه إلى فضاء الإبداع الأدبيّ، وفي أفق ذاك التحوّل يصير النقدُ من الفعل الإبداعيّ عنصرا أساسًا: عنصرَ تحريرِ معنى المقروء وإجراءِ دَلالاته في مجريات الواقع بأدبيةٍ عاليةٍ فنّا وقِيَما؟ وكانت غاية جهدي هي أن أحُثَّ فعلَنا النقديَّ على تجاوز استهلاك النظريات الغربية وادّعاء استملاكها إلى التفكير معها، بل والتفكير فيها قصدَ تبيُّنِ حدودِ قراءتها نصوصَنا العربيةَ من جهة، وعلى النظرِ من جهة أخرى في إمكان تجاوزها وَسْعَ الطاقةِ صوب ما أسمّيه «الحلول القرائيّ» فيكون هو نفسه منهجَ ذاتِه وهو يقرأ ما يقرأ بعقله وروحه وجسده، وإنْ رام أنْ يعْتُبَ على نصٍّ مّا بسبب ما يُقدِّرُ فيه من هَناتٍ فنية ومضمونية، يكون عتبُه عليه عَتَبَ المُحبّين.

فأنا مقتنع بحقيقة أنْ لا موضوعيّة في النّقد مهما ادّعت المناهج ذلك، وحدهم الأموات قد يكتبون - إذا كتبوا عن النصوص – بموضوعيّة عاليةٍ. وهذا ما أراه يدفع بالكتابة النقديّة دفعا إلى حدِّها الأقصى: أيْ إلى الأدبيّة، وذلك في ضوء أمريْن: أوّلهما تأكيد حقيقةِ أنّ لنصّنا الإبداعي العربي شخصيةً ثقافيةً تميّزه عن النُّصوص الأخرى وحَرِيٌّ بالنقد التنبّه عليها وأخذها بعين الاعتبار في فعل القراءة، وثانيهما تبيّن حقيقةِ أنّ الناقد العربي الراهن لا يصنع معنى، وإنما كلّ غايته هي أن يبحث عن معنى غيره في النَّصّ، غير أنّه بإمكان هذا الناقد - في خلال رحلته البحثية عن المعنى الغيريِّ - أن يُبدِعَ معنى ذاتيّا من مادّة ما يقرأ بفضل ثقافتِه اللغوية وحاصلِ قراءاته السابقة ضمن جدليّة حارّة يلتذّ فيها القارئ بمعاني النصّ ويلتذّ فيها النصُّ بخيالِ قارئه.

ـــ هل ساهمت الترجمة في فقدان النص العربي لشخصيته العربية حيث أصبح المبدع يكتب وعينه في اتجاه الضفة الأخرى سعيا وراء ترجمة أعماله؟

- تظلّ ترجمة النصوص الإبداعية العربية إلى لغات أخرى أمرا هو من الضرورة الحضاريّة جوهرُها، وهو يحتاج إلى جهود كبرى شخصية ووطنيّة لتفعيله والتشجيع عليه. غير أنّ المعلوم الآن هو أنّ النصّ الإبداعي العربي لا يجد حين يُترجَم إلى لغات أخرى - إقبالا عليه من أقوام تلك اللغات، وهذا الأمر لا يعود إلى ضعف النصِّ نفسِه إبداعيّا وإنما يُحيل على ضُعفِ ثقافة النصّ ذاتها في فضاء الثقافات الأخرى، وهنا تتأكّد حقيقةُ أنّ النصَّ الإبداعيّ لا يفقد ثقافته حين يهاجر إلى الآخر، فالثقافة هي منة الجينات التي يتخلّق بها وتظلّ متحرّكةً فيه وناظمةً لمعانيه، وإنّما هو يظلّ متحمِّلاً بمرارةٍ وِزْرَ ضعفِ تلك الثقافة.

ـــ في السنوات الأخيرة ومع صيحة «زمن الرواية» تزايد عدد الروايات العربية بصورة لافتة لكن ألا تتفق معي في أن قفزة الرواية العربية على مستوى الكم لا تقابلها قفزة أخرى على مستوى الجودة؟

المشهد الروائيّ العربيّ

- يمكن أن أسارعَ إلى القول إنّ مشهدنا الروائيّ العربيّ كثيرُ الروايات قليل الروايةِ، غير أنّي أجد في هذا الحكم مبالغة جائرة على الرواية ذاتها، ذلك أنّه بقدر ما شاعت كتابةُ الرواية بين الناس وصارت مهنة مَن لا مهنة له ووسيلة لتزجية الوقت الفارغ أو سببا من أسباب الحلم بالشهرةِ والمال ظهرت روايات كثيرةٌ متميّزة فنّا ومضمونا بعضُها القليلُ نالَه التثمينُ، وبعضُها الكثيرُ بقي ساكنا في خانة النسيان بسبب عمى لجان تحكيم جوائز الرواية وتحجّر أدواتهم التقويمية وفقدانهم للحدّ الأدنى من الأدب وأخلاقه.

ـــ  كتابك الأخير يحمل عنوانا لافتا «النص المعنف» ما الذي تسعى إليه في هذا الكتاب؟

- أجيب عن هذا السؤال إجابةً مختصَرَةً حتى لا أُفْسِد على القارئ مُتْعةَ قراءةِ كتابي «النصُّ المعنَّفُ» إنْ هو رغب في قراءته، وصورةُ ذلك هي قولي إنّ النصَّ العربيّ يعيش يوميا تعنيفا منهجيّا من قبل نقّاد بلا عاطفةٍ قرائيّةٍ، وما الواحدُ منهم إلاّ «هجينُ اللَّفظ، ركيكُ البلاغة في وصف البلاغة» على حدِّ عبارة التوحيدي، فلا يرى في المقروءِ إلا جثّةً تَقْبَل القسمةَ والقياسَ بالمسطرة والبركار، وهو في ذلك لا يزيد عن كونه ماكينةً لا تفكِّرُ وإنّما تُطبِّقُ الأوامر التي تُمْلِيها عليها برمجياتُ مُشغِّلِها النَّظَريّ الذي شبع موتًا: تُطبّق مناهجَه في الأدبِ بلا وعيٍ أدبيّ.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking