آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

103199

إصابة مؤكدة

597

وفيات

94211

شفاء تام

غلاف الكتاب - حرب 1948 خلقت قضايا شائكة لا بد من معالجتها

غلاف الكتاب - حرب 1948 خلقت قضايا شائكة لا بد من معالجتها

سكوت أندرسون  (ترجمة رافع البرغوثي)  - 

صباح أحد الأيام الأولى من يونيو 1967، كان رشيد الخالدي يسير على رصيف في نيويورك، عندما رأى مجموعة من الأشخاص يحملون ملاءة سرير مفتوحة، يُلقي المارة فيها النقود. كانت التبرّعات لمساعدة دولة إسرائيل، التي دخلت بعد ذلك حرباً مع ثلاث دول عربية مجاورة. ما وجده الخالدي محيّراً، انه بحلول ذلك الصباح، كان الإسرائيليون قد قضوا بالفعل على القوات الجوية لمصر وسوريا، والأردن، ثم راحوا يستخدمون تفوّقهم الجوي للقضاء على القوات البرية لتلك الدول. كانت تلك هي النتيجة التي توقّعتها تحليلات المخابرات الأميركية، إذا شن الجيش الإسرائيلي الأكثر قوة، هجوماً استباقيا على خصومه.. لكن هذه لم تكن إطلاقا القصة التي كان الشعب الاميركي يسمعها، كما شهدت عملية جمع الأموال على الرصيف في مانهاتن. بدلاً من ذلك، ادرجت حرب الأيام الستة في الرواية الدارجة عن إسرائيل صغيرة محاصرة من جيرانها الأكبر منها البغيضين، وهي أمة لا تستطيع البقاء إلا من خلال الإبداع والصلابة.

بالنسبة إلى الخالدي، وهو سليل عائلة فلسطينية عريقة، لم يكن هذا المشهد الجانبي سوى تذكير آخر بمدى قدرة إسرائيل على التحكّم في مسار الأحداث في الشرق الأوسط على مدار القرن الماضي، وهو يقول إن المهمّشين بالكامل في مسار القصة هم الفلسطينيون، الذين طمست روايتهم المنافسة إلى حد المحو.

الخالدي أستاذ الدراسات العربية في جامعة كولومبيا، ومؤلف سبعة كتب، واحد من أبرز الباحثين الاكاديميين في مجال الهوية والوطنية الفلسطينية. ومع ذلك، وبعيداً عن عنوانه الاستفزازي والبصيرة الحادة أحياناً، فإن كتابه «مئة عام من الحرب على فلسطين» يبدو إنجازاً ضعيفاً نوعاً ما.

إن أطروحة الخالدي الأساسية هي أن للصراع الإسرائيلي ــــــ الفلسطيني يفهم الفهم الأفضل كغزو استعماري، ويتصل اتصالا وثيقا بنمط وعقلية الحركات القومية الاستعمارية الأخرى في القرن التاسع عشر. وكما يشير، فإن شعاراً صهيونياً مبكراً يدعو إلى إقامة وطن لليهود في فلسطين «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»، لم يسقط من الحساب وجود نحو 700 الف فلسطيني فقط، بل ردد صدى تصور المستوطنين بأن تكون الأراضي المحتلة خالية من الناس، أو على الأقل يسكنها عدد أقل: فكر في التوسع على الأراضي الهندية في الغرب الأميركي، أو تشويه البيض لسمعة سكان استراليا الأصليين. ويجادل الخالدي في أن الصهيونية كانت لها ميزة إضافية، هي تزيين نفسها بغلاف توراتي كان جذابا بقوة للبروتستانت قرّاء الكتاب المقدس في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة.

الأمور ازدادت سوءاً

تكريس هذا النموذج الاستعماري الاستيطاني، وفق رواية الخالدي، تم بحرب الاستقلال الإسرائيلية عام 1948 - أو «النكبة»، كما يسميها الفلسطينيون. بالسيطرة على ما يقرب من 80 في المئة من الأراضي التي شملها الانتداب البريطاني على فلسطين، والقيام على طرد أو هروب نسبة مماثلة من السكان العرب الأصليين، كان الرواد الإسرائيليون يحاكون نموذج المستوطنين المنتصرين سابقا.

يؤكد الخالدي ان الأمور ازدادت سوءاً بالنسبة الى الفلسطينيين، بمجرد تدخل الفاعلين الخارجيين، فعلى سبيل المثال، بعد حرب عام 1967، أصدرت الأمم المتحدة القرار 242، الذي يطالب إسرائيل بالعودة إلى حدود ما قبل الحرب. وكما يشير الخالدي بذكاء، بينما ينظر عموما الى القرار 242 بوصفه القاعدة الأساس لمحادثات السلام العربية ـــــ الإسرائيلية المستقبلية، فإنه كان لطمة مزدوجة للفلسطينيين: اذ لم تتم الإشارة إليهم بالاسم في أي موضع في القرار ـــــ إنهم مجرد «لاجئين» ـــــ في حين إن العودة إلى حدود عام 1967 تعني أن العالم الخارجي أصبح يضفي الشرعية على طردهم عام 1948. من وجهة نظر الخالدي، فإن كل «اختراق» دبلوماسي لاحق في المنطقة لم يؤد إلا الى مزيدٍ من الاقصاء او التهميش للفلسطينيين. معاهدة كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر كانت تعني أن الفلسطينيين فقدوا حليفاً أساسياً في المنطقة، في حين إن اتفاقات أوسلو لعام 1993، عملت على ضم القيادة الفلسطينية وعزل أتباعها في جيوب صغيرة تحت السيطرة الإسرائيلية المطلقة.

المشروع الاستعماري الاستيطاني

في حين إن الكثير من أفكار الخالدي مثيرة للتفكير، لكن قوتها الإقناعية تتقوّض أحياناً بالميل الى حلق الزاوية البلاغية. انه يصف على نحو مبرر تماما «الأرجون»، وهي منظمة شبه عسكرية يهودية مبكرة، بأنها «جماعة إرهابية»، لكنه متساهل بشكل ملحوظ ازاء استخدام فصائل فلسطينية مسلحة تكتيكات مماثلة.

كذلك، هناك تملّص في بعض صيغه، ونشير إلى مثال صارخ، يدعي الخالدي أنه كان حيويا «للمشروع الاستعماري الاستيطاني» القيام بحملة إسرائيلية لقطع الارتباط بالوطن الذي يشعر به الفلسطينيون المهجرون. يكتب ان «الفكرة المريحة» هي ان «الكبار سيموتون والصغار سينسون» ــــ ملاحظة نسبت إلى ديفيد بن غوريون، ربما عن طريق الخطأ ــــ تعبّر عن واحد من أعمق تطلّعات القادة الإسرائيليين بعد عام 1948. «حسناً، إذا كان الكاتب نفسه لاحظ أن مصدر الاقتباس ربما يكون خطأ، فمن المريب جدا استخدام الاقتباس».

لكن الضعف الأكبر في هذا الكتاب، في رأيي، يمكن تكثيفه في سؤال بسيط: الى اين يؤدي؟ فحتى لو قبل المرء أطروحة الخالدي بشأن الاستعمار، فهل يقربنا ذلك من نوع من الحل؟ قد يبدو هذا نقدا غير منصف؛ اذ لا يتعين على المؤرخ ان يقدم علاجات ممكنة، لكن هذه هي المهمة الختامية التي ندب الخالدي نفسه لها، وهذا هو الموضع الذي يفقد فيه نفاذ البصيرة.

اما اقتراح الخالدي الأكثر إثارة للاهتمام فهو أن يتوقف الفلسطينيون عن اعتبار الولايات المتحدة وسيطاً نزيها في المفاوضات مع إسرائيل، وان يدركوا أن واشنطن ستقف دائماً إلى جانب اسرائيل. وهو يشير إلى أنه مع تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة، قد تكون واحدة من القوى الجديدة التي تبرز على الساحة ـــــ الصين أو الهند أو روسيا ـــــ هي التي يمكن أن تؤدي بشرف دور الوسيط. وفي حين إن نقطة الخالدي الأولى لها ميزة كبيرة، فإن من الصعب للغاية رؤية الولايات المتحدة، تترك موقعها الدبلوماسي في المنطقة لمصلحة قوة خارجية اخرى، او تجبر اسرائيل على تقدم التنازلات التي يطلبها وسيط جديد. ومع امكانية استثناء سيد البيت الأبيض الحالي، فإن الأصعب هو تخيل وجود من يفكر في حل لمشاكل الفلسطينيين في حضن لاديمير بوتين الدافئ.

لكن هناك شعورا بأن الخالدي قد رفع يديه إلى حد ما عند هذه النقطة، بعد عرض اطروحته، حيث ليست هناك سبل كثيرة امامه. وهناك سببان اساسيان لذلك من المؤكد انه يعي كلا منهما فعلا.

أولاً - حتى لو نظرنا الى الصراع الفلسطيني ــــــ الاسرائيلي كصراع مع الاستعمار، فانه لا يتطابق مع اي حالة سابقة. ففي كل منافسة اخرى مشابهة فاق عدد المستوطنين عدد السكان الأصليين، ما جعل التسوية غير ضرورية (الولايات المتحدة)، او بقي المستوطنون اقل من السكان الاصليين (البيض في روديسيا) فكانت التسوية في النهاية حتمية. ومع التعادل التقريبي بين عدد سكان اسرائيل وعدد الفلسطينيين في الشتات، فإن ايا من الصيغتين لا تنطبق.

ثانياً - الفلسطينيون ليسوا محاصرين بخصم واحد، بل بثلاث حلقات متحدة المركز ومترابطة: إسرائيل، الدول العربية المحيطة، والمكائد السياسية للقوى الخارجية، وابرزها الولايات المتحدة. وكما يشير الخالدي مراراً، فإن هذه المجموعات الثلاث استخدمت القضية الفلسطينية لمصالحها الخاصة على مدار العقود الماضية، اجتمعت وتفرقت بطرق مختلفة، ولكن دوما على حساب الشعب الفلسطيني. ومن الصعب للغاية تصوّر كيف يتغيّر أي جزء من هذه الديناميكية في المدى القريب أو البعيد.

تميل أفكار الخالدي، بشأن تسوية نهاية، الى الخيال بشكل متزايد. في رأيه، سيحدث التغيير الحقيقي فقط عندما يتم الاعتراف بانعدام المساواة الهائل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتقبل أعداد كافية من كلا الشعبين حق الوجود الوطني للآخر.

وتحقيقاً لهذه الغاية، «ستحتاج مفاوضات جديدة إلى إعادة فتح جميع القضايا الحاسمة التي خلقتها حرب 1948». ويخلص الخالدي إلى أن إحدى هذه القضايا الرئيسة هي ما يسمى «حق العودة»، الداعي الى السماح للفلسطينيين الذين شُرّدوا في عام 1948، وذريتهم، بالعودة إلى ديارهم الأصلية.

هذه فكرة يدرك حتى المفاوضون الفلسطينيون الأكثر صلابة أنها خيالية، وإذا كان الخالدي يعتقد حقّاً أنها شرط أساس للسلام، فمن المرجح أن تكون {حرب المئة عام على فلسطين» حرباً أبدية.

«نيويورك تايمز»

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking