آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

479

إصابة مؤكدة

1

وفيات

93

شفاء تام

أخوة مدى الحياة

د. ولاء حافظ - 

في مشهد مفاجئ من صباح يوم ما حفرت أحداثه في الذاكرة، استيقظنا على عبارات ألم وبكاء لم تنطفئ إلى يومنا هذا من فراق والدي.. وتعالت دموع النحيب على فقد رجل أقل ما يوصف به بأنه كريم العائلة وحكيم المنطقة.. انتهت أيام الحداد والعزاء، وجاءت لحظة اقتسام التركة ليقف الأخ الأكبر مهيمنا على الموقف بدافع أن اسم الوالد لابد أن يظل في السوق وبين التجار مرتفعاً، وأنه لن يتغير في الأمر شيء سوى أن كلا من الاخوة سيتقاسمون الأرباح، أما الأخوات الثلاث فحاجاتهن ستقضى لهن ولا مكان للتقاضي وتسلم الأرباح، كما هي الحال بين الأخوة الثلاثة، ووسط فاجعتنا بفقد الوالد على حين غرة كنا نرى في الأخ الأكبر الثقة وحسن القرار وكأن شيئاً لن يتغير لنظل نستشعر وجود والدنا الحبيب، وأن ذلك سيرضيه في مثواه الأخير.

ومرت الأيام والسنون وما تغير شيء سوى أن البيت بات بارداً يخيم عليه الحزن والكآبة، وإذا بخاطب يطلب الأخت الكبرى ويرى أخوتي أنه الشخص المناسب، وآن الأوان أن يستعيد هذا البيت انجازا، فتزوجت أختي الكبرى وقام أخوتي الثلاثة بكل مستلزمات الزواج على أكمل وجه ولم يمض عليها كثير إلا وقد لحقت بها الأخت الصغرى التي كانت تسعى جاهدة لتحين أي فرصة زواج تجد فيها السبيل في طلب الكثير من الاحتياجات التي وصلت إلى ثلاثة أضعاف ما تكلفت زيجة الأخت الكبرى، وعندما كنت أسألها عن سبب مغالاتها في كل هذه الاحتياجات تقول: هذا الوقت فقط الذي يمكن فيه أن أحصل على بعض ما تركه لنا والدي، وإن لم أنتهز الفرصة لضاع كل شيء.. فكرت كثيراً فيما تقول وظللت أشاهد كل ما تشتريه من مجوهرات وأثاث وملابس تكفي ثلاثة منازل معها إلا انها نبهتني على حق يبدو ضائعاً أو سيظل ضائعاً إذا لم نطالب به، ولكن كيف يا سيدتي نطالب به وعلى ما يبدو ما زال حكم الإرث محكورا على الذكور فقط، وها نحن في الألفية الثانية.. مضت الأيام وأشغلت نفسي بمزيد من الدراسة بعد غياب أختي وانشغالهما بحياتهما الجديدة، وصرت على مشارف الحصول على درجة الماجستير واستطعت أن أحصل على منحة مجانية للسفر للخارج لاستكمال مشواري العلمي، إلا أن أخوتي رفضوا وبشدة سفري وحيدة ونظرا لسوء صحة أمي تنازلت عن المنحة فلا أحد يمكن أن يرعاها غيري.. زادت أيام وحدتي مع شعور بالخوف أن ترحل أمي الحبيبة وتتركني وحيدة، على الرغم من وجود خمسة أبناء غيري لها إلا أنهم أشغلتهم الحياة حتى عن الزيارة الأسبوعية ليلقوا على كاهلي عبء الوحدة والخوف.

قررت بعدها أن أقوم بعمل خاص يشغل وقتي ويحقق لي الاستقلال المادي والتفاعل الاجتماعي وقتها جاءت اللحظة الحاسمة في طلب مبلغ من اخوتي لفتح مشروعي الخاص، وبعد تفاوض كبير معهم طالبت وبكل وضوح برغبتي المباشرة في حقي في ورث أبي، خاصة انني لم اكلف احدا بتحضيرات زواج كما فعل اخواتي.

قوبل طلبي بهجوم وعنف شديدين، بل وقطعوا عني ما كانوا يرسلونه من مستلزمات الحياة واكتفوا بإرسال مستلزمات الطعام والشراب والدواء من اجل امي، كل هذا وأنا في حالة من الصدمة والحزن، مما جعل امي تقترح علي بيع مجوهراتها من الذهب لأبدأ مشروعي الخاص او ادخره للزواج خوفا منها ان يتمادى الاخوة في قسوتهم وطمعهم، لكنني رفضت ان اخذ ما ليس من حقي فإن كانوا ارتضوه على انفسهم من قبل.. واليوم صرت ادور في دائرة مفرغة تزيدني بغضا لاخوتي وخوفا من الغد، فما هو الحل لاستعيد حقي؟!

الـرد:

عزيزتي الأخت.. من المؤسف اننا لا زلنا نعاني من عدم توريث النساء والخوف من مقاسمة الغرباء ما يظنون أنه ملكهم الخاص، ولا يجوز ان ينتقل إلى الاخت وبالتالي تحت تصرف زوجها ولينتقل الى ورثته بعد ذلك، تفكير اقل ما يوصف به انه «متعد» على شرع الله ولا يزيد المجتمع الا جهالة وظلما.

عزيزتي عليك ان تدركي تمام الادراك ان اعز ميراث تركه لك واغلاه هو «الاخوة» فهو حبل ينبغي ان يظل ممتدا ما دمت تسعين الى حياة افضل على خلاف ما يظنه البعض ان المال هو القوة المرجوة في تلك الحياة.

فالأخ والدم هما الشيء الذي لا يمكن ان يعوضه مال، بل ان من فقه الاخوة ان يتوقف الصراع عندما تحتل الفرقة المشهد.

عزيزتي.. اعلم أنه مغبون حقك الذي شرعه الله لك، وعلى ما يبدو ان الام استسلمت لهذا العرف السائد في اوساط عائلتكم، وحقك لن يضيع، لكن طريقة الطلب وفن الاخذ يحتاجان الى مهارة قد تتطلب وقتا.

في بادئ الامر اشكر لك عدم استحلالك لما هو ليس حقاً لك، ولكن كان يمكن ان يكون بالاتفاق وابلاغ اخوتك انك بحاجة اليه، فإما يمنحوك اياه عن طيب خاطر او ان يحتاطوا بأخذ ما يثبت انه في حوزتك لحين سداد قيمته.. واذا كنت ممن يدرس المشروع جيدا ومتمكنا من دراسة جدوى قيمة تستحق هذه المغامرة على سبيل البداية ثم تسديد ما عليك من نصيب اخوتك في الذهب فاسمعي نصيحة والدتك ولا تترددي.

واعلمي انه شاق على نفسك ان تجددي الوصل مع من قطعك وظلمك، ولكن الامر ليس بهذه الصعوبة انما يحتاج ذكاء ومرونة من باب الفضل والبر بوالديك والاجتهاد في استمرار الوصل حتى لا تضيعي كل شيء.

فلا بأس من خسارة مناورة واحدة مقابل كسب مناورات لاحقة بعد تخطيط مناسب.

فالامر يستحق الكثير من المفاوضات التي لا شك ستدعمك فيه اخواتك، ولكن في الوقت المناسب لعل في المستقبل تقابلين الزوج المناسب لأن يكون الاخ الرابع ويلم الشمل ويخرج الحقوق من بطونهم او ان يغنيك عما استحلوه وفزت بما ابقته لك الحياة من اخوة.

فانهضي من حزنك واستعيدي مشهد الاخوة مرة اخرى وتوددي ولا تيأسي، فظل العائلة يحتاج الى صدق وتروية صادقة حتى تينع وتثمر بعودة الحقوق.


نستقبل رسائلكم على:

dr.walaa.hafez@alqabas.com.kw

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking