نتربى وننشأ على المثالية ثم نُفاجأ عندما نخرج إلى الواقع ونقابل شتى أنواع الناس، بأن المثالية التي تشربناها ليست موجودة إلا في الكتب. أتوقع ان الكثير وهم في الصغر عندما كانوا يسمعون خبرا بأن هناك لصاً سرق فقيراً، أو شخصاً ضرب أعمى ضرباً شديداً، يُصابون بصدمة إلى حد فقدان الوعي من غرابة وجود هذا الصنف من البشر. لكن عندما كبر هؤلاء الأشخاص لم يعودوا يصابون حتى بالدهشة إذا ما سمعوا أي خبر مقزز، لأنهم تيقنوا أنه لا يوجد ما يُسمى بالمثالية، بغض النظر أن هناك من يحاول أن يكون مثاليا ويجتهد في ذلك، فيكتشف بالنهاية أنه لا يستطيع إكمال العيش بهذه الطريقة.

إن بين المثالية والخوف شعرة واحدة، فالكثير من المعاناة قد تكون نتيجة حرص الشخص على أن يكون كاملاً أو مثالياً. فنرى الشخص الذي يحاول السير في طريق المثالية الذي لا يريد أن يحيد عنه ولو خطوة واحدة يخاف أن يجرب، ويخاف أن يغير، ويخاف أن يفعل أي شيء حتى لا يصدر منه أي خطأ ينفي عنه صفة المثالية أو الكمال. لا يوجد إنسان كامل أو مثالي، إن هاجس المثالية إن سيطر علينا قد يدخلنا في حالة من القلق الذي يؤدي إلى التشوش الذهني. جميل أن نطمح إلى المثالية، لكن مع الإيمان بأننا لن نصل إليها.

يُحكى أن ذئباً قد هجم على قرية فهرب أهلها منه، ووجدوا منزلاً مسيّجًا كي يختبئوا فيه، رفض أحد أهل القرية محاولة الدخول إلى ذاك المنزل بحجة أنهم لم يأخذوا إذن صاحبه في الدخول، تركه أهل القرية وشأنه، حتى أكله الذئب. بعدها دفن أهل القرية بقايا جثة الرجل في ذاك المنزل المهجور الذي تحول فيما بعد إلى مقبرة.

د. نادية القناعي

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking