آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

99964

إصابة مؤكدة

585

وفيات

90930

شفاء تام

عاشت المطربة الإيرانية الشهيرة «دلكش» (1925 ـــ 2004) نصف عمرها العملي تحت حكم الشاه، ورأت الشهرة والعز والدلال، وعاشت نصفه الثاني تحت حكم رجال الدين المتشددين، ورأت الغم وما يقرب من الإذلال.

ومن ذكرياتها، وهي في أرذل العمر، أنها استقلت يوما سيارة أجرة، وما أن تحركت بها حتى قام سائقها، الذي كان في العشرينيات من عمره، بتشغيل شريط لإحدى أغانيها، وفي نهايتها استبدلها بأخرى لها، وهو يهز رأسه طربا، واستمر الحال به كذلك إلى أن فاض بها وملأت الدموع عينيها، وهي تسترجع ذكرياتها ومجدها الذي أفل، وشعرت بالدم يصعد لرأسها، ولفت احمرار وجهها المليء بالتجاعيد والخالي من المساحيق نظر السائق، فقال لها: يا أمي، ألا ترين كم هو جميل صوتها ورائع أداؤها؟ فسألته، وهي غارقة في دموعها، إن كان يعرف من هي؟ فقال انهم يقولون أن اسمها «دلكش»، وصوتها لا يمكن أن يعادله صوت، واعتذر إن كان ذلك يضايقها، فهي سلواه في ساعات عمله الشاقة والطويلة، وأنه مغرم بصوتها، كما كان والده، ورفع كفيه داعيا ربه أن يحفظها أينما كانت! فقالت له «دلكش»، بعد تردد، إنها تلك المطربة! فضغط السائق من فوره وبقوة على فرامل السيارة، وأوقفها على جانب الطريق والتفت إليها غير مصدق ما سمعه منها، وهو يحملق في تقاطيع وجهها المتعب، وخرجت الكلمات بصعوبة وكالهمس من بين شفتيه، مشيرا إليها بسبابته: هل أنت حقا السيدة دلكش؟ فهزت رأسها، وهي تمسح الدموع عن وجنتيها، ولم تقل شيئا، وبدأت بغناء إحدى أغانيها بصوتها المتعب فيما تبقى من الطريق، والسائق يهز رأسه طربا وسعادة غير مصدق ما يراه ويسمعه، وما أن وصلا حتى ترجل السائق وفتح باب السيارة لها، وانكب يلثم يديها بعشرات القبل، شاكرا لها تلك اللحظات الجميلة التي سوف تبقى معه إلى الأبد، ورفض بإباء أن يتقاضى الأجرة منها.

***

للفنانين، وفي أي فن، مكانة خاصة في قلوب محبيهم والمعجبين بهم، سواء كان الفنان رساما، نحاتا، ممثلا، مطربا، أو راقصا. ومن كل هؤلاء المبدعين يبقى المطرب أو المغنية معنا لسنوات أطول، فنحن، البشر العاديين، وليس كارهي الفنون والثقافة والآداب، نستمتع بالمسرحية، وتخفق قلوبنا لرؤية تمثال رائع أو لوحة ساحرة، ولكن تبقى للأغنية، كلمات وموسيقى، مكانتها الخاصة، فهي السلوى في الطريق والمنام والحزن والفرح وفي الشمس وفي الظلام، نسترجع معها أحلامنا وذكرياتنا، وتخرجنا أنغامها من حاضرنا لتعيدنا الى الماضي، أو تحملنا الى المستقبل من دون أن نغادر أماكننا.

شكرا لكل من ادخل الفرحة الى قلوبنا والنشوة الى نفوسنا، والذين سيكونون معنا عندما نصل الى نهاية العمر، فسنختار حينها، إن كان لنا خيار، أن نجلس في الشرفة كل يوم على كرسي هزاز، نستمع ونستمتع بسماع أجمل المقطوعات والألحان والأغاني، التي طالما غرمنا بها وعشقنا من يشدون بها، ممسكين بيد قدحاً وبالأخرى سيجاراً، إلى أن يسقط الاثنان من أيدينا ونودع هذه الدنيا ونحن في قمة الرضا، وليمت سارقو الأحلام والمال العام بغيظهم.

أحمد الصراف

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

}
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking