آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

342

إصابة مؤكدة

0

وفيات

81

شفاء تام

جلست مطولاً مع صحافيتين من جريدة التايمز اللندنية في زيارة إلى الكويت للتحضير لعدد خاص يصدرعن الكويت مع ذكرى الأعياد والتحرير..

وبكل وضوح كان السؤال عن مجلس الأمة، فكان ردي بأن المجلس لم يؤد دوره فيدفع الكويت نحو الحداثة وأن الأداء أصابني وآخرين بخيبة أمل، لأن المجلس لم يتقن المعاني التي كان يريدها مؤسس الحداثة الكويتية المغفور له الشيخ عبدالله السالم من هذا المجلس ومجالس سابقة، متصوراً بأن مجلس الأمة قد يستوعب مشروع النهضة الذي كان يحمله الأمير الراحل.

كان لا بد من شرح هذا المشروع الذي يمكن اختصاره بدولة القانون وسيادته وفرض شروطه على الجميع وامتثال الكل لسطوته، بلا استثناء.

فمن أجل بناء دولة القانون لا مفر من مؤسسات تتفاعل وتحمي وتشرح وتمتثل، منها التجمعات الأهلية ومنها النقابات المتخصصة، وأبرزها مجلس الأمة، الذي من مسؤوليته أن يبشر بالمساواة بين جميع أبناء المجتمع، في عبور تام على شبكة العواطف الفئوية، وتسامٍ على التكاتفات القبلية، وربط الجميع في تجمع مدني مستنداً إلى الدستور بعدالة بين النساء والرجال، بين الفقراء والأغنياء، لا يهضم العشائرية ويحارب الطائفية.

كانت معاني الدستور قيام الدولة العصرية، والحق أن السنوات الأولى للتجربة شهدت الاقتراب من أحلام الأمير المؤسس، فقد كانت الصيحة نحو المساواة ونحو رفع الظلم وإزالة التجاهل أقوى بكثير من همس اليوم.

لكن ذلك المنحى تأثر سلبياً لأن التأهيل الثقافي والتعليمي العام للمجتمع بدأ يشكك في معاني المساواة وبدأ أيضاً يسعى لتحريف تلك المعاني، فرفع القيود عن المرأة وتمتعها بحق المساواة لم يكن مهضوماً لدى كثيرين، وذكرت للصحافيتين حرمان المرأة من التوقيع على المعاملات الطبية في المستشفيات كظاهرة مسرفة في تعطيل المشروع النهضوي.

فالمساواة بين الناس تؤدي إلى إلغاء التميز الطبقي كما تدعو كل الأديان، لكن البشر يبخل في إطاعة الأديان إذا مسته بشيء، وذكَّرت بصراع أوروبا مع الثورة الفرنسية، الداعية إلى المساواة، هل يعقل أن يقف الفيلسوف الألماني نيتشه ضد الثورة لأنها مع المساواة خائفاً من ذواب الامتيازات، بينما يقف مواطنه هيجل مع الثورة داعماً لها.

كيف تراجعت الكويت عن انطلاقها بتجاوز القبلية والطبقية والفئوية، هنا ليست المسؤولية تقع على النواب فقط، وإنما على غياب المؤسسات المؤثرة في تبني المشروع التقدمي، خصوصاً مع تعثر التجربة البرلمانية بالحل غير الدستوري، وانسحاب مجموعة من المثقفين من الميدان السياسي، وضعف التجمعات وانعدام الفهم لأبعاد المشروع، كل هذه العوامل أدت إلى نوع من التصحر السياسي وانحدار الحوار السياسي وبروز فراغ فكري دفع الطامحين بالعضوية البرلمانية إلى الاستنجاد بالإسعاف القبلي والمذهبي مع نعومة حكومية أمام تصاعد السباق إلى المنبر البرلماني، فجاءت ظاهرة المخيمات وإفرازاتها في الانتخابات الفرعية للتصفيات القبلية، ورغم قانون المنع فإن التنفيذ لم يكن على المستوى القاطع الذي الذي ينهي هذه الظاهرة، وما نراه الآن في الكويت حصيلة تجاوز المؤسسات وتلاشي الأهمية السياسية لتجمعات المجتمع المدني وانشغالها بالترقيات والامتيازات والالتفاف نحو التكسب المالي الذي وصل إلى قاعة عبدالله السالم، التي سميت باسم صانع الدستور تعظيماً لبرنامجه النهضوي الإنساني.

وكان من حصيلة الاستقواء القبلي البرلماني أن وزراء قديرين وواعدين ومن النوع النهضوي آثروا الابتعاد، فلم يعد الحوار البرلماني منطقياً ولا منصفاً ولم يعد الاستجواب بحثاً عن خطوات تطوير، وإنما إصابة الوزير لكي يأتي بآخر، ومعظم الذين أصابتهم قذائف القبلية والفئوية هم من وزراء القانون الذين لا يرضخون لتوسلات النواب ولا يذعنون لتهديداتهم، ولا يبالون بالمناصب، وذكرت للوفد الاعلامي أن وزيرة الشؤون الجديدة التي لم تمارس مسؤولية أي عمل، وقعت هدفاً بطلقات التعاضد القبلي والائتلاف الاسلامي المستفيد من الجفاف الفكري الليبرالي، من أجل التخلص من الوزيرة الجديدة لأنها من أصحاب المنظور المستنير في حتمية المساواة ومن الداعمين للمشروع المتحضر الذي ينشد القانون كقاعدة للعمل ويدعو لحق الجدارة بالتفوق.

والسؤال، كيف نعيد التوجه إلى الدروب التي أرادها الشيخ عبدالله السالم في حق السيادة للقانون وحده؟ ليس ذلك صعباً إذا ما تفجرت طاقات المجتمع الكويتي المتعطش للعدالة والمساند للقانون والباحث عن دعم المؤسسات السياسية والفكرية، ليس بالضرورة بتواجد الأحزاب التي تتسابق نحو السلطة وإنما تجمعات بجدول أعمال تتناغم مع أهداف الدستور، بالإضافة إلى الدور التوجيهي والفكري لجمعيات النفع العام أو بعضها مثل المحامين والمعلمين والمهندسين من أصحاب المهن المؤثرة في المجرى السياسي والاجتماعي.

كان الفكر الليبرالي العربي متوهجاً في حوض الشام والعراق لكن الانقلابيين في دمشق وبغداد سببوا الدمار للبلدين، وبدلاً من المشروع الوطني جاءت أيديولوجيات تدعو لفكر أحلامي أو وحدة عربية جامعة بتجاوز للمشاعر الوطنية لدى أبناء الشعب، مع تجاهل للحقائق البارزة في واقع الدول، ولأنها أحزاب بمنظور وهمي ومحدود الجاذبية ولأن برنامجها لم يكسب كثيراً من المؤازرة الشعبية، اتجهت هذه التجمعات بأيديولوجيتها نحو الطائفية كما نراها الآن في سوريا التي احتكرت كل شيء ودمرت معظم سوريا من أجل التمسك بالسلطة بأي ثمن، ولا يقل عن دمارها ما أصاب العراق من أوهام حزب البعث الذي تحول من حزب بأيديولوجية رومانسية وهمية، إلى أرضية العائلة، فلم تكن هموم صدام حسين تطوير البعث وإنما ترسيخ السلطة له ولعائلته، وكانت وسيلته تجمع التكريتيين من منطقة تكريت، فالأنصار والوزراء منها، ومنها أهم عناصر المخابرات الموثوق بهم، وأصبحت المحاصصة العائلية هي العمود الفقري للنظام، موظفاً آليات الإبادة لمن يعترض ومستسهلاً اللجوء إلى أحبال المشانق لترويض من ينتقد.

وآخر نقاط الحوار التعبير عن الأمل بأن يعطي رئيس مجلس الأمة ومكتب البرلمان وقتاً لتقييم الوضع وإنقاذ المسيرة التي أرادها الشيخ عبدالله السالم مركبة تعلو بالوطن إلى دولة القانون الصلب..

عبدالله بشارة

a.bishara@alqabas.com.kw    

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking