الصدر ينفذ خطة سليماني في العراق

محرر الشؤون الدولية - 

قبل مقتله بساعات، كان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني يجهد وهو يبحث عن وسيلة يمكن من خلالها وأد التظاهرات التي خرجت في العراق مستهدفة الفساد والتدخلات الإيرانية، وتطالب بمستقبل متحرر من سطوة الميليشيات. بدا لسليماني أن الطريقة الأمثل لتحقيق هدفه تتمثل في حرف التظاهرات نحو هدف آخر، فقرر استفزاز الأميركيين عبر قصف قواتهم ومحاولة اقتحام سفارتهم لدفعهم إلى رد يؤدي إلى مقتل عراقيين فتتحول الاحتجاجات ضد الوجود الأميركي. يقول الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان إن الرئيس دونالد ترامب لم يأكل الطعم وقرر قتل سليماني.

مات سليماني لكن مخططه بقي، وفي محاولة لتدارك الوضع كان لا بد من إيجاد الشخص المناسب لتنفيذ هذا المخطط، بدأت الاجتماعات والاتصالات والضغوط الإيرانية لرأب الصدع بين مقتدى الصدر وقيادات الحشد الشعبي، تدخل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله شخصيا لحل هذه الإشكالية، فاستضاف قادة الفصائل العراقية الموالية لطهران في بيروت، بغية التنسيق وعقد الصلح بينهم وبين زعيم التيار الصدري. انتهت العملية بإعلان الصدر قائدا لـ «محور المقاومة».

يقول مراقبون إن إيران نجحت في اختيار شخصية عراقية تمتلك قاعدة شعبية لا يستهان بها، لتنفيذ خطة سليماني، ففي أول تحرك له كقائد لـ «محور المقاومة» دعا الصدر إلى تظاهرة مليونية اليوم، للمطالبة بإخراج القوات الأميركية، لم تمر ساعات على إعلان الصدر، حتى التف قادة الفصائل المسلحة والتيارات السياسية الموالية لإيران حولها، مبدين دعمهم واستعداداهم للمشاركة فيها.

تحالف سائرون، الذي يتزعمه الصدر، شدد على أن تظاهرة اليوم لن تتعارض مع الاحتجاجات الشعبية في محاربة الفساد ورموزه، لكن المراقبين يرون أن الصدر يُحاول الآن إجهاض الحركة الاحتجاجية التي كان يقول إنه «داعم لها». ويؤكدون أن «هذه الدعوات لا تخرج عن سياق دعم سطوة إيران على العراق، ومحاولة إسكات كل الأصوات المعارضة لها». ويتساءل العديد منهم: إذا كان الصدر صادقا في رفضه للتدخل الأجنبي، فلماذا لم يندد بالصواريخ الإيرانية التي استهدفت القاعدتين العراقيتين في عين الأسد واربيل؟! ويخشى الشارع المنتفض أن تكون تظاهرة حلفاء إيران اليوم، تهدف إلى إدخال الحشود إلى ساحة التحرير للتسبب في احتكاك مع المتظاهرين السلميين، وبالتالي التمهيد لاستخدام العنف ضد الشباب المنتفض بحجة وجود شارع ضد شارع. ويؤكد المحتجون أن تحرك الصدر يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن دعواته الأولى الداعمة للحراك الشعبي لم تكن أكثر من محاولة لركوب الموجة، مظهرا نفسه على أنه ضد الفساد والتدخل الأجنبي.

ضد الانتفاضة

يقول الكاتب والباحث العراقي إياد الدليمي لـ القبس: «قطعا لا يمكن لهذه الدعوة أن تكون موجهة لإخراج القوات الأميركية من العراق بقدر ما أنها موجهة ضد الانتفاضة الشعبية المستمرة منذ أكثر من شهرين».

ويضيف: «يدرك الصدر جيدا أن هذه القوات بقيادتها للتحالف الدولي ضد الإرهاب هي التي تمكنت من دحر داعش ولكنه يدرك أيضا أن وجودها يعني تمددا للنفوذ الأميركي وهو ما لا يرغب فيه ولا ترغب فيه من خلفه إيران التي يواصل الصدر دراسته العلمية فيها».

لكن الدليمي يشير إلى أنه «وفي ظل الانتفاضة الشعبية العارمة في مدن العراق المختلفة، فإن الصدر سيسعى إلى اللعب بهدوء، بمعنى أنه لن يحتك بالمتظاهرين، لأن احتكاكه بهم سيعني فقدان المزيد من قاعدته الشعبية التي باتت تنظر إلى دوره بريبة وشك».

ويختم الكاتب العراقي: «الصدر ومنذ الاحتلال الأميركي عام 2003، وهو يعمل كصمام أمان للعملية السياسية، متى ما كانت تختنق يظهر بشعبيته الجارفة ليؤدي دور المنقذ لها، لذا أعتقد أن الحديث عن مليونية لإخراج القوات الأميركية، ليس سوى مسعى آخر من طرفه لتقديم طوق النجاة للعملية السياسية التي يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود».

تحقيق الرغبات الإيرانية

بدورها، تؤكد ازهار إبراهيم الإعلامية العراقية والناشطة في منظمات حقوق الإنسان أن دعوة الصدر لتظاهرة مليونية «لا تمثل كل الشعب العراقي، وهي تمثل مقتدى الصدر وجماعته والأحزاب التي التفت معه خلف الإعلانات الإيرانية والرغبات الإيرانية بتدخلاتها في العراق».

وفي اتصال مع القبس قالت إبراهيم إن «هناك أحاديث عن أن هذه المليونية تهدف إلى التخريب، وهناك جماعات ستندس معها بالاتفاق مع الأحزاب بهدف التخريب والقتل من أجل أن تعم الفوضى وإنهاء التظاهرات الحقيقية».

وتؤكد إبراهيم أن «الهدف من هذه التظاهرة هو الالتفاف على التظاهرات الحقيقية والحراك الشعبي في ساحات الاعتصام، الذي يتبرأ من هذه التظاهرة»، مشيرة إلى أنه «ليس من حق الأحزاب أن تصوت على إخراج القوات الأميركية لأنها باتت منبوذة من الشارع الذي يرفضها، ويطالب بخروجها من السلطة وجلب حكومة عبر انتخابات شرعية وبمراقبة أممية».

وترى الناشطة العراقية أن الشارع يطالب بالتحرر من كل القوى الأجنبية، لكن القوات الأميركية موجودة بفعل اتفاقية، وإلغاء هذه الاتفاقية يتم من خلال حكومة يختارها الشارع بشكل شرعي، وليس من حق الصدر وغيره أن يقرر نيابة عن الشعب.

وتؤكد إبراهيم أن «في الشارع العراقي مكونات أخرى لم تصوت على قرار إخراج القوات الأميركية، وهناك قوات إيرانية موجودة أيضا في العراق، وكيف لنا أن نطالب بأن يخرج الجانب الأميركي ولا نطالب بأن يخرج من خرب ودمر في العراق».

وترى أن هناك خطورة في مغادرة القوات الأميركية فيما القوات والميليشيات الإيرانية مستفحلة في كل مناطق العراق تقريبا.

حالة تخادمية جديدة

ويرى الباحث والأكاديمي العراقي د. محمد نعناع في اتصال مع القبس أن «تظاهرات اليوم تمثل حالة تخادمية جديدة هي الأولى من نوعها، حيث سيلتقي جماهير طرفين متناقضين لطالما خاضا حربا خطابية حد وصف بعضهما لبعض بالعمالة والحالة الذيلية، فالتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر يرى أن الميليشيات المنضمة إلى الحشد الشعبي تمثل امتدادا لطموحات إيران في العراق والمنطقة، بينما ينظر قادة الميليشيات وجماهيرها إلى التيار الصدري وزعيمه على أنهم منسجمون مع مشروع إقليمي عربي هدفه تقويض التشيع ومن ثم ضرب القيادة المركزية للشيعة، والمتمثلة في الجمهورية الإسلامية، وكل ذلك يجري في إطار حالة استقطاب داخلية وعملية استقواء خارجية، رغم أن التيار الصدري يعلن أنه مستقل تماما عن أي تأثيرات داخلية أو إقليمية أو دولية، بينما لا ينكر الطرف الآخر صلته بالمشروع الإيراني».

ويشير نعناع إلى أن الصدر «يلعب على ورقة التوازنات ويعيد حساباته بين فترة وأخرى، ويطلق مواقف وتصريحات تنسجم مع الحالة الراهنة، وهذا يعني أنه قد يغير مواقفه وبوصلته السياسية في أي لحظة».

وعن السبب الذي دفع الصدر إلى الاتفاق مع قادة الميليشيات فمرده إلى أمرين بحسب نعناع «الأول: لا يريد أن يكون نشازا بين الشيعة بعد الضربة الأميركية لسليماني وأبو مهدي المهندس والتي أججت العاطفة الشيعية، ولهذا يسعى الصدر بمشاركته مع الميليشيات في هذه التظاهرات إلى امتصاص الغضب والنقمة الشيعية من الشارع وحتى من الميليشيات وجماهيرها ومنع أي اعتداءات من قبلها على الحركة الاحتجاجية التي يدعي الصدر حمايتها. والثاني: وهو أمر استراتيجي يسعى الصدر واتباعه إلى تأكيده وهو أنهم مقاومون للاستكبار الأميركي ولا يمكن لأي أحد أن يزايد على مقاومتهم لأهداف أميركا، وكذلك قطع الطريق على استهدافات أميركية محتملة قد يكون الصدر هو أحد المستهدفين فيها».

ويختم الباحث والأكاديمي العراقي بالقول إن «هذه التظاهرات ستكون حالة استقطاب جديدة واستثمارا في موقف قد يجلب الكثير من المصالح».


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking