انتهى وقت جلد الذات، والتهكّم على الحال، وردّات الفعل السريعة. تَشرَّب المواطنون الصدمة الكبرى بعد تلقف فاجعة العجز القياسي المقدر في موازنة 2020 ــ 2021، الذي يعد خطيراً بكل المعايير.. رغم أن بعض النواب «الشعبويين» حاولوا بطرق أو بأخرى تصغيرها أو التقليل من شأنها.

ذلك العجز الخطير الذي لم تقدِر الحكومة أن تصفه بشجاعة، وتقول بصراحة مطلقة: «إننا دولة بلا مستقبل»!

نعم.. هذا هو عنوان المرحلة الحقيقي الذي يجب أن نتوقّف عنده، ونستوعبه بواقعية تامة.. وهو أننا فعلاً بلا مستقبل، وبلا رؤية، وبلا إدارة.. فتلك الفاجعة المالية لم تكن وليدة اليوم، بل بدأت بالظهور جلياً منذ 2014، حينما انخفضت أسعار النفط، فدقّ ناقوس الخطر وبدأت ملامح غول العجز تطلّ برأسها على مستقبل الكويت؛ إلا أن بعض الصحافة، والمواطنين، والنواب، وقتذاك، أخذوا جميعاً دور المتفرج، انتظاراً لتحركات حاسمة من الحكومة، حتى وصل «السكين إلى العظم»، ومن لم يستطع قراءة ما خفي بين سطور الإعلان الحكومي، فقد قالت على استحياء: لدينا 80 ألف وظيفة حكومية مقبلة، لن نستطيع دفع رواتبها بعد سنوات قليلة سوى بالاقتراض أو الدخول على احتياطيات الأجيال القادمة.

ولعل القول إن الرواتب والدعوم هي معضلة الميزانية الكبرى، سيجعل الشارع بلا شك يستشيط غضباً، ولا نلومهم.. فإن أبناءنا وإخواننا موظفي القطاع الحكومي لا ذنب لهم في هذا التخبط، الذي تجلى منذ حكومة ٢٠١١، التي أعطت القطاع النفطي كوادر استثنائية تحت ضغط شعبي، فاضطرت حينئذ إلى فتح صنبور الزيادات والكوادر، من دون أن تحسب حساب هذا اليوم: 12 مليار دينار تصرف على بند الرواتب وملحقاتها.

ما الحل إذن؟.. سؤال مشروع يطرحه المواطن، في ظل ظروف تدفع الحكومة في قادم الأيام إلى تسييل أصولها الاحتياطية لدفع الرواتب! لن نلوم أيضاً المواطن الذي يشك اليوم في أي معلومة حكومية، وربما يحيك بعضهم تفسيرات قائمة على مبدأ المؤامرة والانتقام..نعم.. ولا عتاب عليهم في ذلك.. فقد تلقوا تلك الفاجعة من دون خطاب حكومي محترم يمهد للمواطن فهم ظروف اقتصادية قد تهدد لقمة عيش الأجيال القادمة.

أمام هذه الفاجعة الاقتصادية الكبرى، لم تستطع الحكومة إلى الآن أن تقول الحل، فربما لا تقوى عليه، ولا تملك شجاعة مكاشفة المواطنين، علماً بأن لديها برنامجاً إصلاحياً شاملاً حبيس الأدراج، ظلت سنوات عاجزة عن تطبيقه، هذا البرنامج الإصلاحي القائم: «الخصخصة، ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولجم الهدر في الإنفاق الجاري»، لا سيما بند الرواتب الذي تجدر معالجته بقانون لدى مجلس الأمة تحت عنوان «البديل الاستراتيجي»، إضافة إلى خطط تنويع مصادر الدخل لزيادة الإيرادات غير النفطية من الرسوم والضرائب، وتنويع الاقتصاد بخلق قطاعات إنتاجية قادرة على إيجاد فرص عمل للمواطنين.

في ظل هذه الأحداث الاقتصادية الملبدة بالغيوم، نعود لنسأل: ما الحل؟.. إن الحكومة مطالبة اليوم أولاً: بالاعتذار رسمياً للمواطنين عن أخطاء الحكومات السابقة الاقتصادية الفادحة، ليثبت الشيخ صباح الخالد أننا فعلاً في زمن نهج جديد.. ثم على الحكومة أيضاً أن تخرج بشجاعة كاملة، لتعلن أن «الخصخصة» هي ملاذ مهم جداً للنأي بالبلاد عن نزيف قادم أشد حدة ودموية.. يجب على الدولة الإسراع في خصخصة قطاعاتها، مثلما فعلت مع البورصة ومحطة الزور الكهربائية وغيرهما، وأن يتحول دورها من إداري إلى رقابي على القطاع الخاص، وترك مهمة التخطيط التي فشلت بها الحكومة أيّما فشل!

نعم، اتركوا القطاع الخاص يدير القطاعات الحكومية بعقلية معاصرة تُحيي العناصر، التي أصابها الشلل في المؤسسات الحكومية، وتحرّك المياه الراكدة في هيئاتها، وتذيب الجليد في جمود المشاريع المتوقّفة أو المعطّلة، وترفع الغبار عن الخطط المعطّلة، وتبدأ بتشغيل مركبة التنمية التي صدأت عجلاتها بضخ وقود حقيقي يدفعها إلى الأمام، وإعطاء المتخصصين في القطاع الخاص الفرصة للعمل الحرّ بلا قيود بيروقراطية ودورات مستندية عفا عليها الزمن، من أجل اللحاق بالركب الذي خلّفنا وراءه، بعد أن تقدم الآخرون وسبقونا في مجالات لا ينقصنا الإبداع فيها، بل كنّا المؤسسين لها في المنطقة.

لنترك جلد الذات، وسوء الظن، والغلو في الخصومة، فلا هي علاج، ولا هي وقاية.. لقد تأخرنا حتى على الندم، فلا وقت حقيقياً لدينا لتدارك هذا الوضع الاقتصادي الخطير الذي وضعنا أنفسنا فيه، ونرى من الواجب اتخاذ خطوات عملية وجريئة وجديدة، أسوة بالدول المتقدمة التي وثقت بقطاعها الخاص منذ عشرات السنين.

بُعبُع «الخصخصة» يجب أن ينتهي فوراً، فنحن أمام مفترق طرق، وعلى الحكومة تحمُّل مسؤوليتها بشجاعة، فالإصلاح الاقتصادي يجب ان يكون مؤلماً، ولتعلن أن خصخصة جميع قطاعاتها هو ملاذ مهم للدولة.. وإنْ خسرت الحكومة شعبياً، فالمواطن الكويتي بلا شك سيستوعب مع مرور الوقت أن هذا القرار كان يجب أن يُتّخذ منذ زمن بعيد، بعد أن يلمس بنفسه الفوارق والإنجازات التي ستأتي بعدئذ.. وأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً..!

القبس


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking