بقايا طريق السكك الحديد

بقايا طريق السكك الحديد

ماتي فريدمان -

عندما تبدأ في ملاحظتها، تجد آثار قضبان السكة الحديد في كل مكان في فلسطين: مسارات يعلوها الصدأ بين الأعشاب، وأطلال محطات فارغة. على نهر الأردن، تمر خطوط سكك الحديد عبر جسر رشيق من البازلت الأسود لا يصل شيئاً بشيء. تحت منحدرات الزيتون والصنوبر على ضفاف اليرموك، مبنى محطة يستخدمه مزارعو الأسماك مخزناً، وثمانية أنفاق مهجورة تؤدي إلى سوريا.

على خرائط الشرق الأوسط لعام 2020، أهم المعالم هي الحدود - الخطوط الفاصلة بين الدول المتصارعة، والناس المتصارعين فيها. ولكن على الخرائط القديمة، التي تعود إلى ما قبل 80 أو 100 عام، تظهر خطوط مختلفة: سكك حديد، خطوط تربط بين الناس.

إن تتبع المسارات المهجورة، كما أفعل منذ بضع سنوات، يعيد إلى الحياة شرقاً أوسط سائلاً، كان موجوداً، ويبرز ضيق الحدود القائمة في الوقت الحاضر. إنه يمنحك الوقت لتأمل أماكن أخرى في العالم، حيث يعتبر الناس أشياء كالقطارات الدولية وحرية التنقل عبر الحدود من المسلمات، ويدفع إلى التفكير في مقدار الخسارة عندما يتحول المزاج البشري من القضبان إلى الجدران.

المحطة الأخيرة

إذا ركبت القطار الحديث المنطلق من تل أبيب شمالاً، على سبيل المثال، فسيتعين عليك النزول في نهاريا، على بعد بضعة أميال خجولة من الحدود اللبنانية. تلك هي المحطة الأخيرة، لكنها ليست المكان الذي تنتهي فيه خطوط السكة، ويمكنك المضي شمالًا إذا أردت... في الأربعينيات من القرن الماضي، كان يمكن مواصلة الطريق في الجانب الآخر، على الساحل اللبناني إلى بيروت. أما الآن، فلا يمكن عبور الحدود. النفق انقطع في منتصف الطريق.

منذ وقت غير بعيد، خيمت مع أطفالي في بستان على طريق عسكري تركي يعود إلى عام 1915، يمتد عبر صحراء النقب، ويمر فوق جسر، عبر وديان مهجورة، قبل أن يصطدم بأسلاك شائكة على الحدود الإسرائيلية - المصرية. تم بناء الحاجز قبل بضع سنوات بسبب التهريب والإرهاب. عندما مدت خطوط السكة لم يكن هناك شيء. في الطريق القديم إلى السياج، تلقينا تحذيرات من الجيش وعدنا أدراجنا. لكن الخط مضى في الصحراء على الجانب الآخر، كما لو لم تكن هناك حدود على الإطلاق.

من حيفا إلى دمشق

الخط القديم الأكثر شهرة هو خط سكة حديد الوادي، الذي أنشئ عام 1905 بأمر من السلطان العثماني كجزء من مشروع سكة حديد الحجاز الكبرى، واريد ان يكون نقلة للإمبراطورية التركية الى الحداثة. حققت سكة حديد الوادي ربطا منطقيا تماما لا يمكن تصديقه الآن، بين ميناء حيفا ومدينة دمشق. والتقى قطار حيفا بالخط الإمبراطوري الرئيسي في درعا..

أصبحت سوريا وإسرائيل عدوين قبل 72 عاماً، ولكن عندما انشئ خط السكة الحديد، لم تكن الدولتان موجودتين. وفقًا لجدول السكة الحديد لعام 1934، يمكنك الخروج من محطة حيفا الساعة 10 صباحًا والوصول إلى دمشق الساعة 8.02 مساء.

تظهر بقايا هذا الخط في كيبوتس غيشر على نهر الأردن. وكذلك تجد الجسر البازلتي الذي يعود الى عام 1905 خلف بوابة عسكرية هائلة يعلوها سلك شائك. هذه هي الحدود الآن مع الأردن، والجسر في منطقة عازلة. ركلت نيريت البوابة المفتوحة بقدمها وفتحتها مؤكدة لي أن المنطقة تم تطهيرها من الألغام.

من يجرؤ على المرور؟

في ربيع عام 1948، غيرت الحرب معنى الجسر، من علامة ترحيب وتواصل الى تهديد، الى نقطة عبور لقوة استكشافية عربية من العراق. قامت فرقة من المدافعين عن كيبوتس «غيشر» بتعطيلها بتفجير عبوة ناسفة، ولا يزال بإمكانك رؤية الضرر الذي لحق بثاني أقواس الجسر الخمسة الأنيقة. القطار لم يعمل منذ ذلك الحين.

لدى إسرائيل اتفاق سلام مع الحكومة الأردنية، كما هو الحال مع مصر، لكن معظم اليهود الإسرائيليين لا يجرؤون على زيارة أي من البلدين. بالنسبة لنا، يقتصر السفر البري على ما يعادل مساحة ولاية نيو جيرسي. عندما نغادر نستخدم المطار. البلد قد يكون جزيرة.

تركت الخطوط المتلاشية وراءها رواسب من الحكايات الشعبية، الكثير منها يتهكم على موقف القطار المتساهل تجاه الجداول الزمنية والسرعة، أيام لم يكن الجميع في عجلة من أمرهم. منها حكاية عن ركاب العربة الأولى، الذين يعدون القهوة الى جانب خط السكة، ثم يشربونها ببطء، بينما القطار يتحرك، ثم يقفزون في العربة الأخيرة عند مرورها، وأخرى حول الرائد اليهودي الذي أصبح يائساً، فتمدد على خط السكة، وكان مصيره الموت جوعاً.

ليست كل الذكريات جميلة

هناك قصة افترضت دائمًا أنها أسطورة تتعلّق بالطيارين الألمان المتمركزين هنا خلال الحرب العالمية الأولى، فقد شعروا بالإحباط الشديد بسبب بطء القطار إلى الحد الذي جعلهم يثبتون أحد محركاتهم المروحية في عربة القطار ويحققون سرعة قياسية.

ليست كل ذكريات المرتبطة بالقطار جميلة. خلال الحرب العالمية الأولى، بنى الأتراك خطاً إلى مدينة طولكرم. وعلى هذا الخط سار آخر قطار في أبريل 1948، كما ذكرصالح أبو ريسيح، أحد ركاب القطار، لباحث يجمع ذكريات اللاجئين الفلسطينيين التقاه بعد ذلك بـ50 عاماً. كان عمره 15 عاماً عندما فر من حيفا. ثم تم قطع الخط. ظهرت حدود معادية بين منزله القديم والمنزل الجديد. قال اللاجئ: «أخيراً، توقف القطار في طولكرم، ولم يعد أبداً».

اليوم، لا يذهب اليهود الإسرائيليون إلى طولكرم، ولا يذهب الفلسطينيون إلى حيفا إلا بتصريح وبالمرور بنقاط التفتيش. كثير من الناس لا يعرفون أنه كان هناك قطار. ينطبق الأمر نفسه على الخط الذي يمكن أن يأخذك، وفقًا لجدول عام 1934، من مفترق الطرق بالقرب من تل أبيب في الساعة 11:05 صباحاً إلى مدينة غزة بحلول الساعة 12:40 (ثم إلى القنطرة، على قناة السويس، بحلول الساعة 5:30). اليوم لا يكاد يوجد أي اتصال بين الناس في كل من إسرائيل وغزة.

تم تحويل قسم غير مستخدم من أقدم خط في البلاد، وهو قطار يافا - القدس لعام 1892، إلى متنزه للمشاة وسائقي الدراجات. وهناك أحياء لسكة حديد الوادي، والقطار البطيء المعروف في الفولكلور، والذي عمل منذ عام 2016 على جزء من الخط القديم، لم يعد يمضي إلى سوريا، رغم وجود خطة لمده يوماً ما عبر الأردن إلى الخليج. طرح وزير المواصلات الإسرائيلي الفكرة العام الماضي أثناء زيارة لسلطنة عمان، أسماها «مسارات السلام». أومن بالجسور والقطارات. لكن من الصعب معرفة كيف سينتهي هذا الأمر.

(عن نيويورك تايمز- بتصرف)

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking