هدم منازل الفلسطينيين جزء من السياسة الإسرائيلية  لتثبيت أركان الاحتلال

هدم منازل الفلسطينيين جزء من السياسة الإسرائيلية لتثبيت أركان الاحتلال

رافع البرغوثي - 

تحتفل الأمم المتحدة والكيان الصهيوني ودول أخرى يوم 27 يناير بالذكرى السنوية لتحرير القوات السوفيتية معسكر أوشفيتز، عام 1945، منذ ان قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 إعلان ذلك اليوم يوما عالميا «لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود».

كانت دولة الاحتلال هي التي قدمت مشروع القرار، مفصلا وفقا لأغراضها، والقت الولايات المتحدة ودول اوروبية بثقلها خلفه، ولم يتح مجال لمناقشة المشروع، و«تحرير المسألة». فنص القرار على ان المحرقة كانت «محرقة اليهود»، ولم يذكر ملايين الضحايا من الغجر والشيوعيين والمعاقين.. ورفض أي انكار كلي او جزئي لوقوع المحرقة، ولم يحدد الجهة المسؤولة عنها..!

وطريقة الاحتفال الإسرائيلية بذكرى الهولوكوست هي - كما قال عالم الاجتماع اليهودي زيغمونت باومان – «أكبر العوائق في طريق إدراك امكانية الهولوكوست بوصفها تطهيرا اخلاقيا، انها انتصار لهتلر بعد مماته».

رفضت قيادات الحركة الصهيونية في فلسطين العمل على إنقاذ يهود أوروبا من المحرقة «الهولوكوست»، واشترطت لذلك الحصول على ضمانات كافية بأن يتوجه الناجون الى فلسطين ليسهموا في إنشاء «الدولة اليهودية». نظر اليهود في فلسطين وعلى رأسهم دافيد بن غوريون الى ضحايا المحرقة باحتقار، لسلبيتهم وذهابهم «إلى المسلخ مثل الخراف»، الأمر الذي هشم صورة «اليهودي الجديد» التي ارادوا تكريسها.

وبعد ان قامت دولة الاحتلال، نصبت نفسها وليا لدماء الضحايا، ووصيا على يهود العالم، ولم تدخر جهدا في استغلال «الهولوكوست» لتزوير التاريخ وإضفاء الشرعية على وجودها واستمراره، وأسطرة المحرقة وترسيخها في وجدان الاسرائيليين، لتكون جزءا من هويتهم، وتجنيد يهود العالم لخدمة المشروع الصهيوني، وابتزاز الدول الغربية للحصول على الدعم السياسي والعسكري، والسكوت على ممارساتها العدوانية وسياساتها العنصرية، والحصول على التعويضات، التي بلغت ارقاما فلكية، وتبرير المجازر والجرائم الصهيونية السابقة واللاحقة ضد الشعب الفلسطيني..

نفاق وابتزاز

في ابريل الماضي، أثار غضب المتاجرين بالهولوكوست، تصريح للرئيس البرازيلي، قال فيه ان «بالإمكان غفران جرائم المحرقة، مع عدم نسيانها». ورد رئيس دولة الاحتلال «لن نغفر ولن ننسى أبدا»، فكتب المحلل في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، سيفر بلوتسكير، ان «إسرائيل غفرت للألمان عن المحرقة منذ فترة طويلة»، عندما أبرمت اتفاقا مع ألمانيا، عام 1952، حصلت بموجبه على تعويضات «المصالحة جاءت مع المال. وامتلأت شوارع إسرائيل بالسيارات الألمانية، وامتلأت البيوت بأجهزة كهربائية ألمانية، وامتلأت الرحلات الجوية إلى ألمانيا بالسياح الإسرائيليين. الغفران الكبير اكتمل اليوم، وبرلين تحولت إلى أكثر غاية مرغوبة بين الشبان الإسرائيليين». واضاف ان «علينا ألا نحتج بشكل منافق ضد الرئيس البرازيلي».

وفي يونيو الماضي عدل حزب «القانون والعدالة» الحاكم في بولندا، تحت ضغط واشنطن وتل ابيب، تشريعا أصدره في مارس الماضي، يتعلق بمحارق النازيّة.

وقاحة

تناسى هؤلاء ان دور اليهود في عملية الإبادة كان احد العوامل المهمة لنجاحها، فكما يقول زيغمونت باومان «اعتمد جزء كبير من العملية كلها على تورط الجماعات اليهودية في الأعمال البسيطة على المستوى الفردي وعلى مستوى النشاط المنظم للمجالس اليهودية.. إذ لجأ رؤساء الأعمال الألمان الى المجالس اليهودية من اجل الحصول على المعلومات والمال والعمل وأفراد الشرطة، ولقد زودتهم المجالس اليهودية بكل هذه الوسائل ليلا ونهارا»!

كما تناسوا تعاون تل ابيب مع العديد من النازيين، في جنوب افريقيا وأميركا اللاتينية، عندما اقتضت مصالحها ذلك، وعلاقاتها واتصالاتها المستمرة مع زعماء اليمين الاوروبي المتطرف.

متاجرة بالآلام

سلط الباحث الفلسطيني انطوان شلحت الضوء على المتاجرة السياسية بآلام «الناجين من الهولوكوست»، التي دأبت عليها الحكومات الإسرائيلية المتتالية، مستشهدا بالمؤرخ الاسرائيلي توم سيغف الذي اكد في كتابه «اليوم السابع» أن قيادة الحركة الصهيونية في فلسطين حصرت اهتمامها، عشية الهولوكوست، في إنقاذ اليهود الراغبين في الهجرة فقط أو أولئك الذين «اعتبرتهم قادرين، جسمانيًا وعقليًا، على الإسهام في نجاح الجماعة».

واشارت المؤرخة الاسرائيلية عيديت زرطال في كتابها «ذهب اليهود» الى أن اليهود المولودين في فلسطين تبنوا موقفًا متعاليًا ورافضًا إزاء الناجين من أوروبا وإزاء مأزقهم، كان من شأنه أن يخلّف «آثار ندوب عميقة في نفوس أولئك الذين نجوا من الهولوكوست وهاجروا إلى فلسطين».

واشار شلحت الى تقرير «مراقب الدولة الإسرائيلية»، وانتقاداته الحادّة للحكومة وتأكيده أن «الدولة لا تقوم بواجباتها تجاه الناجين».

هذه هي الفاشية

لم يعد وصف حكام تل ابيب بالنازيين، او المجتمع الاسرائيلي بأنه غارق في الفاشية، تهمة نطلقها، فهذا واقع يحذر منه سياسيون واكاديميون اسرائيليون كثيرون.

فقبل نحو عشر سنوات قالت عضو الكنيست السابقة البروفيسور نعومي حزان «في البداية تمت مهاجمة العرب، ولأنني لست عربية سكتّ. بعد ذلك هاجموا ناشطي حقوق الإنسان، ولأنني لست كذلك سكت!. وبعد ذلك هاجموا الأكاديميين.. وهكذا دواليك. في نهاية المطاف ستصل التهجمات إلينا جميعاً، لكن الوقت سيكون متأخراً، ولن يتمكن أحد من النهوض والتحدث ورفع صوته من أجلنا وهذه هي الفاشية بالضبط».

وفي اكتوبر الماضي حذر النائب في البرلمان الاسرائيلي يائير جولان (النائب السابق لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي) من «خطر نشوء نازية في دولة ضحايا النازية». ودعا «لمنع هذه القوى من إحكام سيطرتها على مقدرات الحكم. فهي خطرة للغاية، ولكن الناس لا يرون خطورتها بعد، تماما كما حصل عندما اعتلت النازية الحكم في ألمانيا».

الميراث السام

لم تعد المحرقة واقعة تاريخية، بل صارت اسطورة في خدمة الكيان الصهيوني، ومرجعا لمشروعه. احتكرها واستغل قناع الضحية، ليواصل سيرة هتلر، ضد الشعب الفلسطيني. ويكفي ان نتأمل قول الرئيس الأسبق للبرلمان الاسرائيلي ابراهام بورج «اننا نعتبر كل قتل جريمة، وكل جريمة مذبحة لليهود.. وكل عدو جديد «هتلر». وخلف كل خطر تكمن محرقة جديدة.. اننا نريد باستمرار جيشا أقوى بسبب المحرقة، وموارد أكثر من دافعي الضرائب في البلدان الأخرى، وغفرانا تلقائيا لأي تجاوز من تجاوزاتنا، اننا نريد ان نكون فوق النقد والرصد»!

وقد أثار ذلك اشمئزاز بعض اليهود. فكتب الباحثان الاسرائيليان اربيلا ازولي وآدي أوفير «نحن آخر بقعة في اوروبا ما زال فيها ماضي النازية له فائدة – فدولة اسرائيل حولت ابادة يهود اوروبا الى ملكية قومية وراسمال رمزي».

وأكد مؤلف «الحداثة والهولوكوست» ان «الحكم النازي قد انتهى منذ زمن بعيد، لكن ميراثه السام لم يمت بعد..».

وكتب يسرائيل شامير «ان عنصريتنا - ضد الفلسطينيين - ليست أقل من عنصرية الألمان»، واضاف «ان آلام اليهود حول الهولوكوست مزيفة، فإما أن نتوب أو نحترق بنار الفلسطينيين وكبريتهم».

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking