النيابة تترافع في قضية «ضيافة الداخلية».. وتطالب بأقسى العقوبات

مبارك حبيب ومحمد إبراهيم -

حذّرت النيابة العامة من الفساد الذي استشرى مما يستنزف الاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن من يستخف بمقدرات الشعب الكويتي معدوم النخوة والأمانة.

وشددت النيابة أمس خلال مرافعتها المطولة في قضية ضيافة الداخلية والتي سطرتها بأكثر من 16 ألف كلمة وعلى عشرات الصفحات على أن لصوص المال العام يستحقون أقسى العقوبات، كاشفة عن أن هذه القضية كشفت عن طرق ملتوية وأساليب شيطانية في التزوير وغسل الأموال والاختلاس.

وبعد جلسة ماراثونية استمرت لساعات، قررت محكمة الجنايات أمس تأجيل القضية إلى الأسبوع المقبل.

وطالب ممثل النيابة، نائب مدير نيابة الأموال العامة حمود الشامي، بإدانة المتهمين وحبسهم، مؤكداً أنهم قاموا باستباحة المال العام ولم يكونوا مؤتمنين على المناصب التي تبوأوها ولم يراعوا حرمة هذه الأموال.

شهدت الجلسة أيضاً مطالبة دفاع المتهمين بإيقاف نظر القضية لحين الفصل في الدفع بعدم دستورية بعض مواد قانون غسل الأموال وحماية الأموال العامة، الا ان المحكمة التفتت عن هذا الطلب، كما شهدت المحكمة حضورا امنيا لتنظيم دخول وخروج المتهمين والحفاظ على انضباطية جلسة المحاكمة.

وكان واضحًا من خلال مرافعة الشامي إلمامه بكل تفاصيل القضية، حيث ناقش ادق التفاصيل في الأوراق التي تزيد على خمسة آلاف مستند.

وجددت النيابة العامة في مرافعتها التأكيد على أنها لن تتوانى في حفظ حق الشعب الكويتي وحماية مقدراته والانتصار للحق والفضيلة، والعمل على ردع الفساد وفق القانون.

ووصفت هذه الجريمة بأنها كارثية ضمن جرائم الاعتداء على المال العام، مشيرة إلى أن لصوص المال العام لا يشبعون من أكل الحرام، ويستحلون السحت، «لكن الذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، وبالكيل الذي تكيل به تُكال».

واعتبرت النيابة في أول مرافعة لها بهذه القضية والثامنة في تاريخ مرافعاتها أن هذه القضية على درجة عالية جداً من الأهمية والحساسية، لكونها تتعلّق بمقدرات المؤسسة الأمنية والمال العام عموماًَ، مبيّنة ان «الأموال لها زهوة والنفس لا تشبع إلا إذا وجدت رادعا من ضمير وقانون واخلاق»، معتبرة أن اختلاس حقوق الشعب الكويتي عار وانعدام نخوة.

أين الرتب؟

وتساءلت: اي عار وخزي إذا رعى رجل الشرطة النهب، وأصبح لصا بدلا من تطبيق القانون على نفسه وعلى اللصوص والمجرمين؟ وقالت: سلوا الضابط عن الرتب التي تعلو كتفيه، وكيف أقدم على كسر هيبة الأمن وسقط في هوة المال الحرام؟

ولفتت إلى أن «الوطنية ليست ثوبا تخلعه علينا الاحداث، وحب الكويت ليس أنشودة نرددها في المحافل، بل شرف وأمانة وصدق وإخلاص والتزام بالقانون».

وكشفت النيابة عن بعض ما ورد في ملفات القضية وخفاياها ومستنداتها، مبينة ان 3 فنادق تقاضت نحو 19 مليون دينار بفواتير خدمات الضيافة والمآدب التي أقيمت لضيوف وهميين «على الورق فقط»، وقد اصطنع المتهمون فواتير واوراقا مزيفة واتفقوا مع شركائهم من اللصوص ومعدومي الضمير لتمرير هذا التزوير وذلك التلاعب، لافتة إلى ان مستندات القضية اشتملت على 42 شيكاً تؤكد ضلوع المتهمين في هذا السطو على المال العام والاختلاس، إضافة إلى غسل الأموال.

واستهلت المرافعة بقول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز «ليحق الحق ويبطل الباطل»، وبقوله: «واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور»، مشيرة إلى تلك آيات الله البينات، أتت تذكرنا بالنعم التي أسبغها الخالق على خلقه، فما انفكوا يتقلبون بها صباح مساء، أخذ سبحانه من عباده مواثيقها الحقة، عاملين بما آمر به مجتنبين ما نهى عنه، ناصبين في ما أشهدهم عليه من الوفاء به.

حفظ الأمانة

وأضافت: إذا كان القرآن العظيم قد أشار في غائر مضامينه إلى الأمانة رعاية وأداء، فإن النص الوضعي – محل دعوانا – قد جاء صريحاً – في شتى دلالاته – إلى كلوم العدوان على مقدرات الأمة، وآمال الأجيال القادمة، مقرراً حفظها من غائلة الغدر بها أو العبث بأحوالها، بوصفه – أي القانون بمعناه العام – مشكاة تضيء للمجتمعات مبلغ ما تصل إليه من تنظيم منضبط يمتد إلى مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، محققاً ما يصبو إليه المجتمع في تطلعاته المختلفة، رائده صون الأسس الأولية للتعايش المشترك بين الناس، فيء ظلال العدالة الاجتماعية وحراسه مقدرات الشعب من أن تغرق في ظلمات الفساد.

تحقيق العدالة

واضافت: ما من مجتمع متقدم ـ على اختلاف مشاربه أو ثقافة بنيه ـ إلا ويرنو إلى تحقيق العدالة بين أفراده، بما تنطوي عليه من تحقيق توازن بين المصالح المتعارضة، بغية كفالة النظام اللازم لأمنه وتقدمه، ولما كانت الدولة لا توجد إلا بأفرادها ومن أجلهم كفل الدستور حرمة المال العام جاعلاً من حمايته واجباً مقدساً على كل مواطن، بوصفه قطرا مكملا لأقطار الديموقراطية، وعنصرا فعالا من عناصرها الحية، بسواها تختل فرائضها ولا يكتمل للدستور نضوجه.

وقالت إن النظم الديموقراطية هي تلك التي تُستلهم من حقوق مواطنيها في إطار اجتماعي عادل تعبيراً عن آمالهم في حياة كريمة، لا يتسلط فيها نظام اقتصادي جائر يلتهم أحلام البسطاء بما يبدد سعيهم مزيداً من التيه، كي تكون تلك الحقوق وقائع حية تنبض بالحياة، فتصبح أكثر استقراراً، بعدما كانت مجرد نصوص لا يُدرى ماذا سيكون من أمرها عندما تبدأ عجلة الحياة بالدوران.

دور الدولة

وتطرقت النيابة إلى دور الدولة التي تتدخل في سبيل إشباع مصالح مواطنيها من خلال الأموال العامة، التي تُفرد لها نظاماً قانوناً خاصاً بها تشرف عليه، وتسن في صور إنفاقها طرائق قدداً - وكما للأغراض التي تستهدفها - لتعود تلك الأموال مع تراميها وتعدد صور إنفاقها واختلاف أهدافها؛ محكومة بقواعد لا شية فيها، تبين جوهر أحكامها توخياً لإشباع أغراض بذواتها على اختلاف مشاربها، يتولاها بصفة قانونية موظف عام أو من يعد في حكمه، ممن أولته الدولة ثقتها وافترضت به الحرص والأمانة على مصالح المخاطبين بأحكام القانون الناظم لتلك الأموال، ليديرها ويتصرف بها باسم الدولة، مكللاً بالنزاهة والاستقامة الخلقية في الأحوال والأغراض المخصصة والمرصودة لها.

ضيوف «الداخلية» سعوديون يبحثون عن وظائف

فجرت النيابة العامة مفاجأة بكشفها أن الكثير من الأسماء التي وردت في كشوف ضيافة الداخلية هي أسماء وهمية، وتبين أن المتهمين نسخوها من مواقع عبر الإنترنت وتعود لسعوديين تقدموا بطلبات توظيف في بلدهم، ولا علاقة لهم بوزارة الداخلية.

وتطرقت إلى تغيير الرتب، فالشرطي أصبح لواء واللواء أصبح شرطيا.


حمود الشامي



10 أقوال مضيئة

أوردت النيابة العامة في مرافعتها أقولاً مضيئة في تطبيق القانون وحماية المال العام، منها:

1 - المال العام لا ينبغي له أن يكون متماهياً مع شخص الموظف العام قياماً وحطاماً، ولا أن ينزل على أهوائه، ولا أن يتحرّك على مصالحه.

2 - المال العام ملك للجماعة التي أوجد من أجلها، ومن خلال موضوع الأعمال التي رصد إليها، ومردودها عليهم ونظم إدارتها.

3 - الفساد تعبيرٌ عن مجموع تلك السلوكيات الأنانية في وجهها البشع وبسماتها الجشعة التي تنشقّ عن أحلام الكادحين.

4 - رغم تشعّب تعريفات الفساد في إطار السلطة العامة، تشترك جميعاً في أمرين اثنين؛ أولهما: الانحراف في استعمال السلطة لغرض شخصي وثانيهما: استغلال هذا الانحراف في جني الثروات أو المنافع.

5 - الفساد معول كبير في هدم سيادة القانون في الدولة، ومسخ علامات الديموقراطية الحقة، وتغوّل على مبدأ المساواة، وسحق لسيادة الأمة.

6 - في شيوع الفساد ما يسوق حتماً لزعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد على المدى البعيد.

7 - الفساد يغذِّي الكراهية ويضرم جذوة الأحقاد والتذمّر في نفوس الناس ليصلى بها أديم السلبيات من تدنّي الأجور، وبلى البنى التحتية وتردي الخدمات العامة.

8 - من الخطأ تفتيت مفهوم حرمة المال العام، أو شرعنة جرائم غسل الأموال والرشى.

9 - سيادة القانون هي الأداة الرئيسة في دفع حركة المجتمع المتطور إلى الأمام، وحمايته من براثن الفساد.

10 - لولا القانون لما استطاعت المجتمعات المتحضرة أن تصل إلى عين العدالة الاجتماعية، مؤمِّنة لأفرادها حياة أفضل ومستقبلاً مشيّداً على أسس واقعية من حاضرهم.

ملاحقة المجرمين..وتكريس دولة القانون في قاعة المحكمة

شددت النيابة العامة على انها ماضية في أداء رسالتها، مستعينة بالله تعالى على صعابها تشق طريقها وصولاً إلى مواطن الحقيقة، تعبيراً عن آمال الناس في حقهم في الأمن من خلال ملاحقة المجرمين والسهر على تطبيق دولة القانون، باعتبار أن ذلك إطار للقيم التي احتضنها الدستور.

وقالت إنها يتملكها شعور بالأسى والأسف على زمان دنست فيه القيم بأيدي من وكل برعايتها، وانتهك فيه القانون بأيدي القوامين على حمايته، واستحال المسؤول عن أمن الرعية وصون مواردها، نهاباً للسحت، لماماً للدنية يقتفي ظله حالك السواد، متحللاً من الشعور بالمسؤولية، يمشي في طريق التضليل والبهت مرحاً، فصار المنصب الذي أوكل إليه ليحول دون الفساد والإفساد، مرتعاً لمن تسول له نفسه أن يشبع فيه نهمه من المال العام وأضحى عمله الذي استرعته الدولة فيه حلاً لأهوائه.

وتساءلت: أي عار وأي رزية، أن يرعى رجل الشرطة الجريمة، ويثخن في الضحية.

صفة العمومية

ذكرت النيابة أن المال يكتسب صفة العمومية متى كان مملوكاً للدولة أو لإحدى هيئاتها أو مؤسساتها العامة، ملكية تتصف بعمومية تلك الأموال، بإفراد نظام خاص لها، تشرف عليها، يكفل إنفاقها في على ضوء الأغراض التي تستهدفها، لتدور تلك الأموال مع تراميها وتعدد صور إنفاقها، واختلاف أهدافها، محكومة بقواعد «لا شية فيها».

6 آلاف مستند

قالت النيابة العامة إنها وإذ أحصت الدعوى واقعاً وقانوناً، حصدت لها أدلتها المثبتة في ما ترفعه مضموماً إلى أوراقنا من قائمة بأدلة الإثبات وتقرير الاتهام. واشارت إلى أن القضية انطوت على نحو 6 آلاف مستند.

موظف الدولة

في ما يتصل بصفة الموظف العام، ذكرت النيابة أن المشرّع الكويتي لم يتبنَّ تعريفاً موحّداً للموظف العام في قانون الجزاء، غير أنه افترض هذه الصفة ابتداءً لتحقق جرائم العدوان على المال العام، وأدخل طوائف أخرى صبغها بصبغة الموظف العام، لما أعدهم قانوناً في حكمه، وهو ما يستبين معه توسّع الشارع الجزائي في هذا التعريف.


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking