روحاني يوقع على كتاب يحمل أسماء ضحايا الطائرة الأوكرانية عقب اجتماع للحكومة في طهران أمس |‏‏ أ.ف.ب

روحاني يوقع على كتاب يحمل أسماء ضحايا الطائرة الأوكرانية عقب اجتماع للحكومة في طهران أمس |‏‏ أ.ف.ب

محرر الشؤون الدولية -

قال معهد التمويل الدولي: إن ركود الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني بسبب عقوبات تحدّ من مبيعات النفط، سيشتد خلال السنة المالية الحالية، وقد تتراجع احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي إلى 73 مليار دولار بحلول مارس؛ لتفقد البلاد بذلك قرابة 40 مليار دولار خلال عامين.

وأضاف المعهد في تقرير إن اقتصاد إيران انكمش %4.6 في السنة المالية 2018 ـــــ 2019، ومن المتوقّع أن يتفاقم الانكماش إلى %7.2 في السنة المالية الحالية.

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على 17 كياناً من منتجي المعادن وشركات التعدين في إيران الأسبوع الماضي، ردّا على هجوم إيراني استهدف قوات أميركية في العراق؛ انتقاما لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

وإيران ليست من كبار منتجي المعادن، لكن العقوبات تزيد الضغط على الاقتصاد، الذي يكبّله تراجع حجم صادرات النفط الخام والمكثّفات، والذي انخفض إلى أقل من 0.4 مليون برميل يوميا في الأشهر القليلة الماضية، بعدما بلغ ذروته عند 2.8 مليون برميل يوميا في مايو 2018.

وكانت إيرادات إيران النفطية قد ارتفعت بعد إبرام الاتفاق النووي بين طهران والقوى العالمية عام 2015، ما وضع حدّاً لنظام عقوبات فُرض على إيران قبل ذلك بثلاث سنوات، بسبب برنامجها النووي المثير للجدل، لكن أُعيد فرض عقوبات جديدة بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، وهي العقوبات الأميركية الأكثر إيلاماً على طهران.

وذكر معهد التمويل الدولي أنه إذا استمرت العقوبات الأميركية «فبعد عامين من الركود الشديد، سيظل النمو ضعيفاً على المدى المتوسط، وسيرتفع معدل البطالة أكثر، ليتجاوز %20، وستواصل الاحتياطيات الرسمية تراجعها إلى حوالي 20 مليار دولار بحلول مارس 2023».

وأشار المعهد إلى أنه «إذا جرى رفع العقوبات الأميركية، فإن نمو الاقتصاد الإيراني قد يتجاوز ستة في المئة سنويا، على أن تستأنف الاحتياطيات ارتفاعها إلى 143 مليار دولار، وقد يتضاعف الناتج المحلي الإجمالي إلى مثليه، ليصل إلى 639 مليار دولار بحلول مارس 2024».

أزمة اقتصادية رهيبة

في غضون ذلك، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا للصحافي الاقتصادي بيتر غودمان، يقول فيه إن إيران عالقة في أزمة اقتصادية رهيبة، حيث ارتفعت أسعار السلع الضرورية بشكل خيالي، مشيرا إلى أن الاقتصاد ينكمش بشكل سريع، ويشعر الإيرانيون بالانزعاج بشكل متزايد.

ويشير التقرير إلى أن العقوبات القاسية التي فرضتها إدارة ترامب على إيران أدت إلى منع وصولها إلى أسواق العالم، ما دمّر اقتصادها الذي يتراجع الآن بسرعة مخيفة %9.5 في العام، وفق تقدير صندوق النقد الدولي، وتوقّفت صادرات النفط الإيرانية تماما في ديسمبر، وفق «أكسفورد إيكونوميكس»، حيث منعت العقوبات أي مبيعات، مع أن المهرّبين نقلوا كميات غير معروفة من النفط.

ويعلّق غودمان قائلا: «يبدو أن الحالة الاقتصادية البائسة تخفف من استعداد الإيرانيين لتصعيد الأعمال العدائية مع أميركا، ويعلم زعماؤها بأن الحرب يمكنها أن تجعل حظوظ بلدهم أسوأ، وفي الأشهر الأخيرة برزت مشكلات البطالة والقلق الاقتصادي والفساد بصفتها تهديدا وجوديا للنظام الإيراني المتشدد».

وتلفت الصحيفة إلى أنه قبل أسبوع جرى تحويل ذلك الغضب نحو أميركا، عندما قامت إدارة ترامب باغتيال سليماني، لكن التظاهرات اشتعلت ثانية خلال عطلة نهاية الأسبوع في طهران، بعد اعتراف الحكومة «المدهش» ـــــ على الرغم من ثلاثة أيام من الإنكار ــــــ بمسؤوليتها عن إسقاط الطائرة الأوكرانية.

ويلفت التقرير إلى أن المتظاهرين احتجّوا على تعتيم النظام بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية، مشيرا إلى أن الغضب أيضا عكس مظالم أخرى، من ضيق سبل العيش والقلق المالي، والشعور بأن النظام في أفضل الأحوال عاجز تماما أمام مشكلات صعبة.

وتذكر الصحيفة أن التضخّم وصل إلى %40، حيث يواجه المستهلك أسعاراً مرتفعة في أثمان الأغذية وغيرها من السلع الأساسية، مشيرة إلى أن هناك أكثر من شخص من كل أربعة شباب إيرانيين من دون عمل، خاصة بين خرّيجي الجامعات، وفق البنك الدولي.

ووفق التقرير، فإنه يبدو أن الضربة الصاروخية التي جرى توجيهها الأسبوع الماضي للقواعد الأميركية في العراق مصمّمة لتمكين قادة النظام من الإعلان عن أنه جرى الانتقام لمقتل سليماني، من دون إثارة رد عنيف من الرئيس ترامب.

ويبيّن الكاتب أن وجود حالة اقتتال مع أقوى جيش في العالم سيجعل حياة الإيرانيين العاديين أكثر صعوبة، وغالبا ما يؤثر في قيمة العملة، ويفاقم التضخّم، ما سيزعج ما تبقّى من الصناعات القومية، ويؤدي إلى خسارة المزيد من الوظائف، وينشط ضغط الشارع على القيادة.

وتفيد الصحيفة بأن الصراع قد يهدّد البنوك المحلية، ما يزيد من معاناة الشركات المحلية، وقد جرت حماية الشركات الإيرانية من الانهيار بقروض كبيرة من البنوك المحلية، مشيرة إلى أن الحكومة تسيطر على حوالي %70 من أصول البنوك، وفق بحث لنائب مدير صندوق النقد الدولي السابق والزميل في معهد بيترسون للدراسات الاقتصادية في واشنطن، عدنان مزارعي، في حين يقدّر البرلمان الإيراني أن نصف القروض البنكية متأخرة السداد.

ويشير التقرير إلى أن «كثيرا من الشركات الإيرانية تعتمد على المواد المستوردة للتصنيع والبيع، من الفولاذ إلى الحبوب، وإن تراجعت عملة إيران بشكل أكبر، فإن على تلك الشركات دفع المزيد مقابل تلك البضائع، فإما أن تزيد البنوك من قروضها وإما تنهار الشركات، ما سيزيد من البطالة».

ويفيد غودمان بأن البنك المركزي يموّل نفقات الحكومة، لملء الثغرات في الميزانية، وللحد من غضب الشعب بسبب تقليص النفقات، ويتطلب ذلك طباعة الأوراق النقدية، ما يزيد من الضغط على قيمتها، لافتا إلى أن قيام حرب قد يؤدي إلى سحب الأثرياء الإيرانيين أموالهم من البلد، ويهدّد بمزيد من التراجع في العملة، مؤديا إلى تضخم خارج تماما عن السيطرة.

المتشدِّدون.. والقتال

ويجد الكاتب أنه مع أن هذا الواقع يبدو حادّا لشهية إيران للتصعيد، فإن بعض الخبراء يرون أن المتشددين في النظام الإيراني قد يتبنّون الاقتتال مع أميركا، وسيلة لتحفيز اقتصاد متهالك.

وتلفت الصحيفة إلى أن إيران قامت في السنوات الأخيرة بصياغة ما يُسمّى «اقتصاداً مقاوماً»، قامت فيه الدولة بالاستثمار فيه بشكل كبير، حيث دعمت الصناعات الاستراتيجية، في الوقت الذي سعت فيه لتعويض الإنتاج المحلي بالبضائع المستوردة.

ويورد التقرير نقلا عن اقتصاديين قولهم إن تلك الاستراتيجية لم تكن فعّالة، وأضافت إلى الضغوط على الميزانية الإيرانية ونظامها البنكي، لكن يبدو أنها حسّنت من فرص العمل، مشيرا إلى أن المتشددين يرون أن اقتتالا مع عدو إيران اللدود (أميركا) فرصة لتوسيع الاقتصاد المقاوم، بالإضافة إلى ثأجيج الغضب القومي المفيد سياسيا.

وينقل غودمان عن المتخصصة في الاقتصاد والسياسة في جامعة أكسفورد، ياسمين ماثر، قولها: «سيكون هناك الأشخاص الذين سيحتجون بأننا لا نستطيع الحفاظ على الوضع الراهن، إن لم نذهب للحرب.. فبالنسبة الى الحكومة الإيرانية، فإن العيش في أزمة أمر جيد، لقد كان ذلك دائما أمرا جيدا، لأنك تستطيع دائما إلقاء اللوم في المشكلات الاقتصادية على العقوبات، أو التهديد الأجنبي بالحرب، وفي السنتين الماضيتين بحثت إيران عن المغامرات وسيلة لحرف الانتباه عن المشكلات الاقتصادية».

وتعلّق الصحيفة قائلة إنه «بغض النظر عن الطريق الذي ستسير فيه القيادة الإيرانية، فإن الخبراء لا يعتقدون أن الناحية الاقتصادية ستكون مهمة جدا؛ فالزعامة الإيرانية تقدّم هدفا واحدا على الأهداف كلها، وهو بقاؤها، فإن بدت المواجهة مع قوى خارجية وسيلة جيدة لتقوية قبضتهم على السلطة، فإن القيادة قد تقبل بالألم الاقتصادي بصفته ثمنا ضروريا».

ويورد التقرير، نقلاً عن نائبة مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» في لندن، سنام وكيل، قولها: «المتشدّدون مستعدون لإفقار الشعب للبقاء في السلطة.. فالجمهورية الإسلامية لا تتخذ قرارات بناء على نتائج اقتصادية بحتة».


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking