يكاد أن يفقد التوازن كليا من كان يوما في منصب رسمي جاذب للضوء الإعلامي وله حضور في المناسبات ودوائر القرار، فمن الصعب على البعض، وليس الكل، أن يتأقلم مع إقصاء بموجب قانون التقاعد أو فقدان المنصب نتيجة إجراءات تعيين غير سليمة.

بريق المنصب الرسمي له ثمن باهظ ومكلف حين يفقده صاحبه، خصوصا حين يكون صاحب الشأن غير مهيأ نفسيا بالقبول في واقع جديد تتغير فيه ساعات العمل اليومية وكذلك طبيعة الحركة، فمن انشغال يومي ولقاءات مع كبار المسؤولين والتربع على موقع بارز إلى الجلوس على ناصية الطريق، تبرز مشكلة نفسية قد تؤدي إلى اضطراب وفقدان التوازن والبحث باستماتة عن دور جديد من خلال تكثيف الزيارات للتجمعات الاجتماعية كالدواوين أو المآدب المخملية ذات الحضور المميز بروتوكوليا، من دون الاعتراف بهذا الواقع غير المتوقع ونكران التأثير السيكولوجي على الذات البشرية، التي ارتبطت قيمتها ومصيرها بالمنصب الرسمي!

«كنت وكان وعملت»، من أفعال الماضي التي لا ينبغي أن تأسر الفرد، وهو على علم بأن الضمانات بالعودة إلى الماضي ضئيلة جدا إن لم تكن مستحيلة، فحتى لو عاد جزء من الماضي، فلن يكون كما كان وربما من دون الطموح، لذا تتعاظم تكلفة الاحباط.

يخطئ من يتوقع الخلود في المنصب الحكومي، ويخطئ أيضا من يتخيل أن يحظى بنفس معاملة كبار المسؤولين الآخرين، الذين يكون لهم حظوة أكبر في مناصب استشارية أو أعضاء في مجالس إدارة مؤسسات حكومية مرموقة، فمسطرة الحكومة ليست ذات حد واحد كالمشط التقليدي، فعالم السياسة كعالم الأزياء، حيث باتت اليوم هناك أنواع من المشط يختلف بعضها عن بعض اعتمادا على صرخات الموضة للشعر.

لذا ليس من المستغرب أن تختلف مسطرة الحكومة في التعامل مع كل فرد دون غيره، فالحسابات السياسية تعتمد على معايير يتم استحداثها بفعل فردي وهي ليست ثابتة.

هذه الحقيقة المرة التي يرفض البعض إدراكها، تؤثر سلبا في سلوكه بشكل عام، حيث تجد البعض يحرصون على التردد على تجمعات متناقضة من حيث الحضور والحديث، لأنهم ببساطة يبحثون عن دور يعيد لهم مجد الماضي أو جذب الانتباه للتذكير بالوجود، بينما هناك من تقلدوا مناصب قيادية وترجلوا عنها بقناعة من دون الحاجة إلى البحث عن دور جديد.

لا شك أن القناعة والثقة بالنفس تلعبان دورا في الثبات وعدم فقدان التوازن من شخص إلى آخر، ومن الخطأ أن يعيش الفرد على أمل الرجوع من خلال مزاولة نشاط يومي كالتاكسي الجوال!

هناك العديد من الأنشطة والأعمال المفيدة، التي ممكن مزاولتها من دون خسارة احترام الذات والآخرين أيضا، وفقدان الثقة بالنفس والتوازن.

«احترام الذات لا غير، هو الذي ينتزع احترام الآخرين» (فيودور دوستويفسكي).

خالد أحمد الطراح

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking