استمتعت جدا وأنا أتابع مقطعا جميلا لأحد المواطنين الخليجيين وهو يعبر عن استيائه من النظرة الظالمة التي ينظر بها المجتمع في منطقتنا إلى المتقاعد وكأنه انتهى بعد تقاعده!

ضحكت، وهززت رأسي موافقة عندما قال: «لو متقاعد عندنا فوق الستين سنة قاد سيارة سبور.. لنظرتوا له إنه مو صاحي.. أما إذا كان السائق بنفس السن شخصا إنكليزيا أو أميركيا لقلتوا.. ماشالله هالشيبة خوش موتر عنده».

وسأقف عند نقطة مهمة جدا جاءت في هذا المقطع، عندما أشار إلى أن «مجتمعنا لا يدفع لك روبية واحدة.. ولكنه يتحكم بحياتك كلها.. تلبس على كيفه وتتصرف وتعيش على كيفه عشان هو يرضى عنك.. وبعد ما تموت بثلاث أيام نساك».

وهنا أتساءل عن سبب استسلام أغلب المتقاعدين لفلسفة أن التقاعد يعني التوقف عن العطاء، والبقاء في البيت لمراقبة كل صغيرة وكبيرة، ومن ثم زيادة المشاحنات والخلافات مع أهل البيت، بينما اليوم سن 60 أو 65 في مقاييس عصرنا هذا هي مرحلة البدء في الاستمتاع بالحياة الحقيقية مع من لم يسعفنا الوقت في شبابنا للالتفاف حولهم والاستمتاع معهم ونحن في صحتنا وعز عطائنا؟!

هذه السن اليوم لم تعد كما هي قبل 50 أو 80 عاما، فالمرأة في سن الخمسين اليوم تبدو في غاية شبابها وجمالها؛ بسبب زيادة جرعة الاهتمام بالشكل والمضمون.. ولو قارنت امرأة أخرى من الأسرة نفسها كانت في العمر نفسه قبل وقت طويل، لوجدتها قابعة في زاوية الحجرة بفستانها الفضفاض الواسع.. وقد غطت شعرها بملفع وفي يدها مسبحة تسبح بها وهي متربعة طول الوقت.

أمّا اليوم، فامرأة في السن ذاتها تنتقل من ناد رياضي إلى آخر، ومن دكتور تجميل إلى آخر، ومن قهوة إلى أخرى، أو تمارس عملا خاصا ناجحا.. وكذلك الرجل الذي هو اليوم يتذكر جيدا كيف أن عمه أو جده عندما مات كان في عمر قريب من عمره، ولكنه كان يراه عجوزا كهلا، بينما هو يشعر أنه نفسه ما زال بهيئة أفضل بكثير.. وأكثر شبابا.

إنه المجتمع الذي يحد هذا الشعور، وهو المجتمع ذاته الذي يقضي عليك في مهدك أو يشبعك جرعات تشجيع وثقة بنفسك وبعطائك.

لماذا نعمل حساب الآخرين في ما نلبس أو نعمل أو نتصرف.. فنفقد الكثير من سعادتنا لمجرد أننا نريد أن نعمل ألف حساب لكلام الناس؛ لأننا نستمع اليهم، ولكننا لا نستمع بالأهمية ذاتها إلى وجداننا ونعمل ما يحلو لنا.. بحدود أخلاقنا وتربيتنا؟!

لماذا يفرض علينا المجتمع قالبا معينا نعيش فيه حسب ما يريد هو لا حسب ما نريد نحن؟!

نعم، انه مجتمع ظالم.. أناني، لا يترك المرء في حاله طالما لم يضره ولم يتعد عليه.. يحاسبه على التوافه من الأمور بينما هو يعمل في الخفاء ما هو أشنع وأفظع.. ثم يتحدث باسم الأخلاق والدين.. يحاسب ويشتد في الحساب.

متقاعد اليوم كله طاقة وكله خبرات.. تتخلى عنه الدولة لمجرد أنه وصل إلى رقم في عمره.. حتى وإن كان رافضا ذلك ومتمسكا بدوره وعطائه بالمجتمع لتتخلى عنه وتتركه يموت يوما بعد يوم في بيته بعد أن يذبل ويفقد إحساسه بقيمته كما كان سابقا.. وإن كان لا يزال يحمل الرغبة نفسها في العطاء.

ما سبق كله لا ينطبق أبدا على من لا يتوانى أو يتنازل يوما واحدا عن فترة التقاعد.. قبل أن تنطبق عليه سن التقاعد.. ولا من تضطره الظروف الصحية والاجتماعية إلى طلب التقاعد المبكر أو في وقته.

إقبال الأحمد

iqbalalahmed0@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات