‏في عصرنا الحالي إذا كانت الدولة ضعيفة، فهي معرضة للاختراق من القوى الخارجية، بحيث تفقد هذه الدولة نفوذها وقرارها السيادي.

‏العراق وسوريا ولبنان وليبيا خير مثال على ذلك.

‏لكن أليس من الغريب أن يكون العراق وسوريا من الدول التي تصنف ضعيفة رغم حجمهما الكبير وتعداد السكان الضخم، والقوى البشرية والعسكرية التي كانتا تحظيان بها؟!

‏ولنقرب الصورة، من كان يتوقع قبل عام 2003 أن يتحول العراق إلى دولة كرتونية تخترق من كل جانب، وتحكمها ميليشيات دمرت كل مظاهر سيادة الدولة؟

‏ومن كان يتصور أن سوريا القوية، ذات النفوذ في المنطقة، تتحول إلى شبه دولة لا سيادة لها على 80 في المئة من أراضيها؟

‏هذه الأسئلة مهمة جداً لنا في الكويت. فإذا عرفنا أسباب تهاوي هذه الدول، استطعنا أن نحصن بلدنا من مصير مشابه.

‏في حالتي العراق وسوريا تكاد تتشابه الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة وتتركز في الآتي:

‏- غياب الحكم الديموقراطي، ورسوخ الحكم الفردي.

‏- انعدام مشروع الدولة الوطنية العادلة، وانحياز الدولة لفئة أو شريحة معينة.

‏- نمو طبقة طفيلية تسيطر على معظم الموارد الطبيعية والمالية على حساب الأغلبية المحرومة.

‏- سقوط دولة القانون، وتحول نظام العدالة إلى شريعة غاب ترتدي أزياء عصرية.

‏- شعور الشباب باليأس، وانتشار ثقافة «خربانة.. خربانة».

‏- تنامي مشاعر الحاجة لأي طرف يخلص الشعب من الطبقة الحاكمة الظالمة، وإن كان طرفاً أجنبياً.

‏هناك دول انتبهت للحالتين العراقية والسورية، فبدأت الحكومات فيها بالإصلاح الجزئي عبر تغيير مواد في الدستور أو عبر إصلاح نظام العدالة الاجتماعية.

‏من هذه الدول المملكة المغربية، وتونس، والأردن، وسلطنة عمان، ولهذا وجدنا في هذه الدول استقراراً نسبياً رغم أن بعضها تعاني مشاكل هيكلية يصعب إصلاحها بمواردها المحدودة.

‏قوة الدول لا تقاس بعنصر محدد، فهناك دول ذات جيوش ضخمة انهارت، وهناك دول صغيرة الحجم لم يصبها أي مكروه بسبب السياسة المتزنة داخلياً وخارجياً.

‏لهذا كله وقبل أن تنشغل الحكومة الكويتية بالعمل السياسي التقليدي داخلياً وخارجياً، وجب عليها أن تنتبه إلى أن الأزمات الحالية في السودان والجزائر ولبنان والعراق وسوريا قد تنتقل بصورة أو بأخرى إلى داخل الكويت، ليس فقط لأن هناك سياسيين انتهازيين يريدون تأجيج أي قضية ليستفيدوا انتخابياً، بل لأن هناك بالفعل حاجة لأن تنفتح الدولة على المجاميع الشعبية وتستقطبها في مشاريع وطنية متعددة، قبل أن تقوم هذه المجاميع بتبني حراك منفصل قد يتم اختطافه من قبل قوى داخلية وخارجية ذات أهداف معادية للدولة، فيحدث ما لا تحمد عقباه.

‏لننظر إلى إيران وما يعانيه النظام من تظاهرات تستنزف قدراته، وهي تظاهرات أتت بعد سنوات طويلة من القمع والملاحقات القضائية والسياسية لأي طرح إصلاحي ينتقد سياسات النظام، فكان أن تراكم الغضب الشعبي ليظهر بهذه الصورة الضخمة.

‏مطلوب من الحكومة تبني سياسة الانفتاح مع كل المجاميع الشعبية، وبدء حوار وطني مستمر يستهدف تخفيف الاحتقان والبحث عن رؤية تتضمن أكبر عدد من القواسم المشتركة بين الحكومة والمجاميع الشعبية.

‏وذلك يتطلب بالطبع تبني مقترحات العفو العام أو الخاص، بحيث تقوم الحكومة بتنفيذ سياسة «تصفير» الخلافات الداخلية ما أمكن ذلك.

القوة الحقيقية للدول في تماسكها الداخلي، وهذا من المحال تحقيقه من دون نظام ديموقراطي عادل ومستنير، وفيما عدا ذلك ستكون الدول ككيكة الإسفنج التي تخترق وتؤكل بسهولة.

داهم القحطاني

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات