من خلال هذا النموذج يمكن أن نؤكد الفطرة الحسنة التي جُبل عليها أهل الكويت بنزعتهم إلى الخير والإحسان، ولا تقل نساؤها عن رجالها في التنافس على الخير.

فانطلاقاً من الطبيعة الخيرية الأساسية من صلة الرحم والقيام بالواجبات الاجتماعية تجاه الجميع (في ما نسميه في مجتمعنا الكويتي التوجيب)، تبرز الطبيعة الخيرية في المرأة الكويتية التي انطلقت بمحرك ذاتي إلى جليب الشيوخ، حيث الحالات الفقيرة والإنسانية لتوصل لها ما تيسر لها من دعم مادي وعيني للمعاقين والمعوزين، الذين كانت تخرجهم من الحرج إلى التأهيل، حيث تشتري منهن أثواب الصلاة التي كانت تحثهن على خياطتها حتى استمر استخدام هذه الأثواب من ذريتها الصالحة التي تمثل لها هذه الأثواب استمراراً رمزياً في عمل الخير.

ولم تكتف بذلك، بل دلت صويحباتها ممن لديهن القدرة المادية على مساعدة هذه الحالات، بحيث تتيح لهن الفرصة لمساعدة العائلات الفقيرة بشكل مباشر ليرين المعاناة الإنسانية بشكل مباشر، ويتبرعن حين يتبرعن باطمئنان كامل لسلامة صرفهن للمستحقين فعلاً، وبذلك تكون قد خرجت من حرج تسلم المبالغ النقدية لتوصيلها الى العائلات الفقيرة، وكسبت تعاطفاً مستمرّاً، وبالتالي مساعدات مستمرة لهذه الأسر.

ثم أخذت تتقصّى أي حالات أخرى في تلك المناطق المحتاجة لتوسع دائرة مساعداتها، ثم تحث الأُخريات على ذلك.

وبذلك، جمعت عناصر المؤسسة الخيرية، ولكن بشكل عفوي طبيعي فردي.

كان هذا على مستوى الإحسان المادي، أما على مستوى الإحسان المعنوي؛ ففضلاً عن صلة الرحم كانت سبّاقة للقيام بالواجبات الاجتماعية، كالمشاركة في الأفراح والأتراح وعيادة المرضى، وبشكل رتيب يكاد يكون يومياً، حتى لو كان هؤلاء المرضى ليسوا من أقاربها أو أصدقائها المباشرين.

كما كانت بحكمتها مرجعاً اجتماعياً يستشيرها أصدقاؤها في كيفية التعامل الأفضل مع مشكلاتهم الاجتماعية متى ما وقعت، وفي الوقت نفسه كانت كتومة جدّاً لهذه الأسرار الاجتماعية لبيوتهن المستورة.

وقد انتقلت هذه الخصال الكريمة إلى ذريتها الكريمة في ضوء تربيتها الحسنة القويمة.

كيف لا، وقد شاركها في حسن تربيتهم رفيق دربها العم مشاري حمود الجارالله الخرافي، وقد كانت نموذجاً طيباً للوفاء له وملازمته طوال مرضه في أواخر سنين حياته، رحمه الله، وهذا ما ورثته منها ذريتها الطيبة، فكان الإحسان بحمد الله جزاؤه الإحسان.

ولما تقدّم بها السن، وبدأت بضعف الذاكرة، كان عقلها الباطن مستمرّاً في التواصل مع الحالات الإنسانية من الأسر الفقيرة، ولم يفقدها أهلها ومحبوها فقط بعد تدهور حالتها الصحية خلال السنوات الثماني الأخيرة والاهتمام الشديد من ذريتها الصالحة، بل افتقدها عامل النظافة الذي لا يبرح حينما يقوم بتنظيف شوارع وساحات الحي المكلف تنظيفه من قبل البلدية أن يحوم حول الحمى، حتى تخرج من بيتها إلى أي مشوار لتراه فتعطيه ما تيسّر لها من المساعدات المادية والعينية.

نموذج كويتي متكرر في البيوت الكويتية ـــــ وحديثي في الكويت وأهلها مجروح ـــــ بما يجعل البيوت الكويتية ممتلئة بالجمعيات والمبرات الخيرية الفردية، وهي من المفارقات اللطيفة التي تجمع مقومات العمل الجماعي في فرد واحد.

ورغم أن جيل الرعيل الأول قلّ نظيره حالياً، فإن الكويت، ولله الحمد، ولّادة، فها هي تتكرر ــــ بحمد الله وتوفيقه ــــ نماذج حديثة للمرأة الكويتية الناشطة في العمل الخيري، ولو بشكل فردي مثل الخالة رقية وصويحباتها وأمثالهن.

ومن اللطيف ، أن اسمها بحد ذاته يعكس جانبا من الخيرية والمسحة الدينية في المجتمع الكويتي والخليجي بشكل عام، حيث جمع الآل والأصحاب والأنبياء في اسم واحد: فرقية بنت النبي (صلى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، زوجها صاحبه وخليفته، وإبراهيم، عليه السلام، جده، وعيسى، عليه السلام، هو المبشر به قبل بعثته بقرون مديدة.

رحمها الله رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته.

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ajalkharafy@gmail.com

www.ajalkharafy.com


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات