يوفر الدستور الكويتي لأعضاء مجلس الأمة ثلاث هدايا ثمينة ويقدمها بلا جهد، ومن دون مقابل، وبسهولة مغرية، لكن هذه العطايا تتم على حساب مكانة الكويت في استقرارها وفي صورتها، وتضع الحكومة في حيرة تربكها في مسارها وتعرضها إلى الاهتزاز، أحياناً تنتهي بسلام وهدوء، ومعظم الأحيان بعاصفة ترافقها أزمة وزارية، تعيد البلد إلى المربع الأول..

أولى هذه الهدايا، هي أبهرها في اللمعة وأغلظها في الحصيلة، وأسهلها في المنطق، لكنها جاءت مع الدستور، وكشفت التجارب ثقل همومها وغرابة محتواها..

وأقصد حق النائب في تقديم الاستجواب للوزير في الوقت الذي يختاره، وللأسباب التي تروق له، وللأغراض التي ينشدها، وبلا مقدمات وبمجرد رسالة يكتبها، يوجهها إلى إدارة المجلس، ويضعها الرئيس على جدول الأعمال، فلا تحتاج إلى تجنيد مؤازرين ولا دور للمناصرين.

أجزم بأن معظم الاستجوابات إن لم يكن كلها تأتي من إفرازات شخصية، فلا يستجيب الوزير لطلبات النائب، ومعظمها غليط وغير قانوني، فيرد الوزير بالرفض، فيستكثر النائب رفضه ويختار الثأر بالاستنجاد بهذه المادة، وهي أحلى ثمار الدستور.

مثل هذه الهبة الدستورية للنائب وبعد الوقوف على إفرازاتها في المتاعب وأثقالها في استحضار التوتر، وأنها مشروع دائم لأزمة وزارية، كان من الممكن أخذ مبادرة من الحكومة فتطلب المراجعة الموثقة بالمسببات السياسية والقانونية والاجتماعية، لجعل اللجوء إليها يتطلب مشاركة عشرة نواب بدلاً من نائب، وجعل طرح الثقة بعشرين نائباً وليس عشرة، ضماناً للاستقرار وانسجاماً مع شروط الاستمرار الوزاري وتواصل العمل من دون اضطراب.

طرح الثقة بعشرة نواب رقم غير مقنع ولا يعكس ثقل الرأي العام، وليس من الصعوبة الوصول إليه في جو التكاتف القبلي والتداخل في المنافع مع الاستنجاد بالنخوة والتآزر والمعاضدة الأخوية.

فكلما قويت آليات الاستقرار، اطمأن الوزير إلى مساره في مواجهة المهمة، بدلاً من الوضع الحالي، فالوزير يعمل من دون غطاء يضمن له المتابعة.

والأمر الثاني الذي يشكل ثقلاً سلبياً اصطلح عليه ما يسمى الوزير المحلل، الذي قد يداهمه الشعور بالحاجة الملحة لتواجده، ففي يده مفتاح التعطيل والتأخيروقد تغريه المنزلة الخاصة التي منحها له الدستور إلى الاتساع في ممارسة النفوذ وتوسيع دائرة الافراط في اسعاف المقربين والمؤازرين، ومنها تكبر القاعدة الجماهيرية، فالاستثنائية في الامتيازات تشكل رافعة في اتساع فرص الوزير للمكافآت..

والناس بشر، لجوء النائب عادل الدمخي إلى الاستئناس بالمادة التي وفرها الدستور شرعي وفق القواعد، مهما قلنا عن المبررات، ومهما كتبنا عن غياب الملاءمة السياسية وانعدام المسببات الوزارية المسلكية، لأن وزيرة الشؤون الاجتماعية لم تمارس أي عمل ولم تقم بأي مسلك أثناء تأدية العمل يؤخذ عليها، ويسبب محاسبة لها، وهنا تبرز الحاجة إلى البحث عن المسببات التي نجدها في حقيقة أن النائب ليس في وئام مع وضع الوزيرة داخل التشكيلة، لأن حسابات الانتماءات الفكرية أغرته نحو الاستجواب.

أعود إلى ما آراه كشفاً بالمآخذ على سلوكيات نواب «حدس»، هناك نوع من الخفة التي يغيب عنها النضج السياسي، وهي عامل في الاندفاع نحو ما يرونه الكسب الجماهيري وتفضيله على ثقل الرجاحة في السلوك، مع تجاهل في المردود الذي يوفره الوقار النيابي.

أنا أحب الجانب الدعوي في جمعية الإصلاح، خصوصاً ما فيه من تأكيد لدور الأخلاق العالية في نقاوة المجتمع، وأرى أن نواب الجمعية لم يمتثلوا لحقها بأن يكون نوابها ذخراً للعقلانية البرلمانية، وتجمعاً للكلمة الصائبة، بدلاً من تفضيل صحبة المتكسبين الذين يرون في الضجيج منافع وفي المواجهة علواً معنوياً..

وليس هذا سراً، فأنا أرى في محمد الدلال درباً للوصول إلى العقلانية لا أراها في نواب المخاصمات، واستكثر على نواب الجمعية الانضمام إلى صفوف المستجوبين، لأن كل الاستجوابات هزات سياسية داخلية تمس تقاطيع النظام السياسي، ومن يحرص على أمن الكويت ويعزز استقرارها ويوطد أعمدة البقاء ويحصن كيان الدولة عليه أن يحرص على نظامها السياسي وعلى سلامته من الوهن.

جاء الدستور من حرص على الوطن، وسلامة تربته، وصحة نظامه السياسي والاجتماعي، وتأمين حرية شعبه، ولد الدستور ليقوي الوطن لا ليضعفه، ويغرس مفهوم النظام لا أن يعبث به، ويحترمه لا أن يتطاول عليه.. ملاحظاتي على مسار «حدس» في البرلمان هي من النقد الحلال لا غير..

وفي إطار سلامة الوطن وتداخله مع متانة النظام السياسي، أُبرز ما قرأته من اعترافات سياسيين وعسكريين عراقيين..

وقفت عند بعض الاعترافات التي جاءت في حلقات التسجيلات المتوافرة في اليوتيوب، التي أتابعها من تلفزيون العراق، ويقدمها الدكتور حميد عبدالله في لقاءات مع المسؤولين السياسيين والأمنيين، الذين كانوا في صحبة صدام حسين، أحدها كان مع رجل بارز في جهاز الأمن العراقي، اسمه شهاب العباسي، حين سأله الدكتور حميد عن غزوالكويت، فكان رده مثيراً للعجب، يقول «هذه الكويت ما تحتاج إلى الغزو، كنا نستطيع أن نأتي بأمير الكويت إلى بغداد من دون حرب»، وهنا يعبّر عن تغلغل المخابرات العراقية داخل عظام الأجهزة الرسمية الكويتية، ويصور تعاظم النفوذ العراقي داخل الكويت إلى حد التبعية.

وفي مقابلة أخرى مع قائد الفرقة، التي احتلت العاصمة، واسمه الفريق الركن رعد الحمداني، يقول «إن الهدف من غزو الكويت هو إسقاط النظام واعتقال أبرز شخصياته».. ويضيف في مقابلة أخرى مع الدكتور حميد عبدالله «أن صدام حسين دعا ضباط قوات الحرس الجمهوري في سبتمبر 1994، وطلب منهم احتلال الكويت مرة أخرى، فاعتذرالضباط لانعدام الإمكانات»، ويضيف الفريق الحمداني أن صدام حسين استدعاه بمفرده بعد ثلاثة أيام، وطلب منه مسببات اعتذار الضباط عن غزو الكويت، فشرح له الأسباب.

كنت أتمنى أن يشكّل نواب «حدس» وغيرهم كتائب العقلانية في حماية الكويت.. ورغم مرور أكثر من نصف قرن على التجربة البرلمانية، فلم يتولد منها تجمع وطني صلب مؤثر يعلو بوطنيته فوق الفئويات والقبليات والأيديولوجيا، يستهدي بالدستور، منفتحاً على كل الأفكار بلا تعصب، ويحمل الراية الوطنية.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking