دوام الحال.. من المحال

د. ولاء حافظ 

في ساعات الصباح الباكر استيقظتُ ذات يوم على أصوات هلع وفزع، والكل يردد العراق دخل المنطقة.. وما كنت لأفهم ما هي تداعيات الموقف لصغر سني آنذاك، فقد كنت فتاة لم تتجاوز العشر سنوات.. كل ما أتذكره حينها أصوات البكاء وملامح الهلع والخوف، التي مكثنا فيها طويلا، حتى قرر جدي اصطحاب العائلة جميعا في سيارته الكبيرة، التي مازلت أذكر ستائر نوافذها والتي كنا نتلصص من خلالها لنطل على ما يحدث خارجها، ونرمق الجنود بخوف شديد، إذ تمكن جدي وجدتي وجميع الأحفاد، لتلحق بنا سائر المركبات الأخرى من أبي وأعمامي، من التوجه إلى المملكة العربية السعودية لنجد فيها ملاذا آمنا. لكن سرعان ما فجعتنا الأقدار وأطلق جنود الغزو الغاشم على موكب عائلتنا قنابل مسيلة للدموع، واُطلقت طلقات نارية كنت أحسبها آنذاك صواريخ ترسلنا إلى الفضاء من هول صوتها الذي ضرب أُذنيّ الصغيرتين، وفُجع أمني وأمن أبناء عمومتي.

تعثرت إحدى السيارات المقلة لأسرة العم الأكبر، الأمر الذي جعل الأصغر سنا يتوقف لتبادل الأماكن، وبذلك يحمي الأسرة، وإذا ببعض الجنود، بعد شجار وأصوات تتعالى أمام السلاح، قرروا التحفظ على عمي الأصغر، وكل هذا ونحن نتلصص من وراء ستائر السيارة، لا نسمع، بل نقرأ الوجوه المكفهرة.. ومن شدة الخوف والفزع لا أذكر سوى أنني غططت في نوم عميق بعد أن أحزنني صوت بكاء جدتي طيلة الطريق.

ظل المشهد في الذاكرة محفورا لا يغيب حتى مرت الأيام وعادت معها ديارنا، إلا أن العم الأصغر لم يعد، ومن أجله لم تعرف جدتي غير اللون الأسود في حياتها. مرت السنوات وتوفي والدي، وأنا أشرف على التخرج في الجامعة، بينما أخي الرضيع وٌلد بعد وفاة الأب، ومع ولادته علمنا أن العم المأسور يعيش زمنا حراً طليقا، ولكن ما رأه من التعذيب جعله في حال يصعب معها التعرف على موطنه وأهله، ولكن شاءت الأقدار أن تقَر عين جدتي به، ومن هنا تبدأ القصة، إذ إن الجدة أصرت أن يحل عمنا مكان الأب المتوفى، ويتولى هو تربية الأبناء الأيتام، ويكون سند الأم.. لم يكن أمام أمي سوى الرضوخ، ولكن ما نراه كل يوم لا يمكن أن نقف أمامه صامتين، فهذا العم لم يعد ينتمي إلا إلى من هم أشباه الرجل، فإما شارداً صامتا أو صارخا في وجه من كان، وإما يمارس تعذيباً على أمي.. تحولت حياتنا جحيما لا يطاق، والجميع يرى ويسمع ولا يتكلم، والجدة ترفض إيداعه في الطب النفسي، وباتت الحياة جحيما لا يطاق.. وما يزيد قلبي غصة هو أن أخي الصغير يحسبه هو الأب، ويتجرع منه الهوان ما كان، ورغم ذلك يعده القدوة والمثل الأعلى في كل شيء، فيا سيدتي أين الخلاص من أسرة تتحكم فيها الجدة بعد وفاة الجد، وأم أرهقتها ظروف الحياة، وأعمام تلهيهم تجارتهم وأولادهم.

الــرد:
عزيزتي لا جحيم على الأرض ما دمنا نمتلك عقلا يفكر وقلبا يؤمن ولسانا يدعو ويطلب الفرج من الله. وكم من منازل فارهة تحجب داخلها قصصا ومآسي لا تتناسب تماماً مع فراهة الأثاث والحياة، وإنما تلك هي الأقدار، لا بد أن نتجرع فيها حلو المذاق ومرّه.

فبداية دعيني يا عزيزتي أطمئنك أن دوام الحال من المحال، وأن لا ألم يدوم، كما أن لا فرح يدوم، تريثي في لوم الجدة والحنق عليها، فهي أم أضناها الفراق وقسّاها طول الانتظار، فلعل الحلول تقبع خارج المنزل وبعيداً عن الجدة.. عليك أولاً أن تهتمي بإيجاد عمل يتناسب مع ظروف الحياة حتى تجدي لك وللوالدة متنفسا ماليا مستقل يساعدك في الخطوات التالية.

ثانيا، اعتني جيداً بالطفل الصغير، وأبذلي ما بوسعك لترممي ما أفسدته المشاهد غير الطبيعية من العم الأب. بالإستعانه بمتخصيصين تعديل السلوك وبالمتابعة المدرسية ايضا .

ثالثاً، وهو الأهم لكونه صلب الموضوع، فعليك أن تجدي من تثقين به ليسهل مهمتك لتوفير السبل لعلاج العم نفسيا، وإن كان بالتردد على عيادة نفسية، أو حتى طبيب يزوره في المنزل على سبيل الصديق وبشكل منتظم، واعلمي ياعزيزتي أن الأمر يحتاج منك العزيمة والصبر واليقين بجدية الحل حتى تتمكن الحياة من الاستقامة على الحد الذي يسمح للجميع بتنفس الصعداء، وأعلم أنه قد تواجهك صعوبات كثيره من حيث التنفيذ ولكن لا مستحيل أمام تحقيق ماترمين إليه من حياة أسرية هادئه و بعيدة عن مشاهد الألم بأنواعه .. .

توددي للجدة فهي من سيدعمك لاحقا بالتأكيد ماديا ومعنويا اذا استعادت ولدها بحق فهى تأبى كل فكرة تمس فراقه مرة أخرى بل ستتقبل كل ما يرمم جروحها ، فرفقا بأسير دفع شبابه ثمن الغدر والظلم، فالمشكلة الحقيقة ياعزيزتي تكمن فيه هو وإن تم حلها وتقويمها ستهدأ الحياة وربما بالفعل ستشعرون بأنفاس الأبوة بعد غيابها فقليلا من المثابرة ليستقيم حاله، ولا شك سيحدث فارق كبير على مستوى الحياة كلها... ولا تظنين أن أمر الإنفصال هو الحل بل سيبقى هو العم وله الولاية فالأحرى أن نسعى بترميم الجدار ليقام البيت من جديد ونحفظ مستقبل الأخ الصغير.فاستمعي يا عزيزتي لحكمة القدر الذي اختارك لتكن يدك البيضاء هي طوق النجاة للجميع ،فلا تستهيني بما تسطيعين تقديمه ، فلا يستحق الحياة من عاش لنفسه فقط، وأنتِ خير من يقدم لهم بصيص أمل ممزوج بالرحمة والعزيمة، وأرجوا من الله سداد خطاك والتوفيق.

نستقبل رسائلكم على :

dr.walaa.hafez@alqabas.com.kw

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات