«لله در الحسد، ما أعدله! * بدأ بصاحبه فقتله»؛ بيت شعر قاله رجل من البادية للخليفة المعتصم بالله في وزيره، ووراء هذا البيت حكاية. فقد قيل إن رجلا من العرب دخل على المعتصم فقرّبه، وأدناه منه، حتى إنه جعله نديما له، فصار يدخل عليه من دون استئذان.

وكان للخليفة وزير حاسد، فغار منه، ولم يحتمل وجوده، فنوى التخلّص منه بقتله، بعد أن أخذ بقلب الخليفة حتى أبعده عنه، فبيّت له أمرا بأن صار يتلّطف بالبدوي ويقرّبه اليه، حتى إنه أتى به إلى منزله، فقدّم له طعامًا أكثر فيه الثوم، فلما أكل البدوي منه قال له الوزير محذّرا: لا تقرب من أمير المؤمنين، فيشم منك رائحة الثوم فيتأذى منه.

بعدها ذهب الوزير إلى الخليفة فخلا به، وقال له: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس: إن أمير المؤمنين أبخر، وانه هلك من رائحة فمه، فلما دخل البدوي كعادته على المعتصم، جعل كمه على فمه مخافة أن يشم منه رائحة الثوم، فلما رآه المعتصم وهو ساتر فمه بكمه قال في نفسه: إن الذي قاله وزيري عن هذا البدوي صحيح، فأمر من فوره بإرسال كتاب إلى أحد عماله، يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله، ثم انه دعا البدوي، ودفع إليه الكتاب، وقال له: امض به إلى فلان، واتني منه بالجواب.

امتثل البدوي لأمر الخليفة، غير عالم بما بيّت له، إلا أن الوزير شاهده حاملا الكتاب، فقال في نفسه: لا بد أن هذا البدوي سيحصل من هذا الكتاب على مال جزيل، وطمع في ذلك، فقال له: ما تقول يا رجل فيمن يريحك من هذا التعب الذي سيلحقه بك هذا السفر، وسأعطيك فوق ذلك ألف دينار، فرد عليه، قائلا: أنت الوزير، وسأفعل بما تراه من رأي، ثم دفع له كتاب الخليفة، فزاده الوزير عطية.

سار الوزير بالكتاب إلى عامل الخليفة، وسلمه إياه، فلما قرأه أمر من فوره بضرب عنق الوزير، وبعد أيام تذكر الخليفة أمر البدوي، فسأل عن وزيره وعن البدوي، فأُخبر بأن الوزير لم يشاهد منذ أيام، أما البدوي فلا يزال مقيما في المدينة، فاستدعى البدوي ليستفسر عنه بما حصل، فأخبره بما كان من أمر وزيره، فلما علم البدوي بما في الكتاب أنشد المعتصم قائلا: «لله در الحسد ما أعدله! * بدأ بصاحبه فقتله».

فعليك بالغبطة، واترك عنك الحسد؛ فالغبطة أن ترى النعمة على أخيك، فتتمنى أن يكون لك مثلها، وليس زوالها، فإذا تمنيت زوالها فقد حسدته، واستمع إلى نصيحة شوقي عندما قال:

وأرح جنبك من داء الحسد * فكم حسود قد توفّاه الكمد!

ملحوظة:

منقولة ومقتبسة بتصرُّف من التراث.

طلال عبدالكريم العرب

talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking