«كاروشي».. الموت من كثرة العمل في اليابان

إيمان عطية -

لطالما أثار مشهد الموظفين ببدلاتهم الداكنة ذات الطابع الرسمي وهم يندفعون إلى محطات المترو في اليابان صباح كل يوم بانضباط صارم إعجاب العالم. مشهد عزز في ذهن الكثيرين صورة الياباني المجد والمجتهد الذي استطاع باتقانه المبهر للعمل أن يرفع من مكانة اقتصاد بلاده إلى مصاف الدول العظمى.

بيد أن وراء هذه الصورة المبهرة قصة أخرى تبدو أكثر قسوة وقتامة، يمكن اختصارها في كلمة واحدة «كاروشي» karoshi، ومعناها حرفيا الموت من كثرة العمل. هي ظاهرة حصدت وتحصد مئات الأرواح المنهكة التي أزهقت نتيجة ثقافة عمل شاقة مبنية على الولاء المطلق للشركة والتضحية الشخصية والعمل الاضافي لساعات طويلة غير مدفوعة الأجر مقابل الحصول على الأمن الوظيفي مدى الحياة. ففي مقابل هذه الشوارع المزدحمة والمواصلات العامة الممتلئة بالموظفين الذين يهرعون من اجتماع إلى آخر، هناك أيضا العشرات من هؤلاء الأفراد الذين ينامون على طاولات المقاهي أو في مطاعم الوجبات السريعة أو في القطارات بملابسهم الأنيقة لافتقارهم الشديد للنوم.

أقصر متوسط نوم في العالم 


تكشف إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2019، أن اليابان لديها أقصر متوسط نوم في العالم عند 442 دقيقة يوميا، نحو 7.3 ساعات في الليلة، مقارنة بـ528 دقيقة في الولايات المتحدة. وقد تم تصميم قانون جديد نفذ في وقت سابق من هذا العام لمكافحة ثقافة العمل الشاق، من خلال قصر العمل الاضافي القانوني على 45 ساعة في الشهر و360 ساعة في السنة. 

   ارتقاء اجتماعي

في اليابان، تغمر قيمة الحصول على وظيفة النسيج الاجتماعي بأكمله. فهي رمز لليابان القوية، التي تغزو الأراضي وتوزع خبراتها. فالحصول على وظيفة هوعلامة على النجاح الذي يؤدي بدوره الى الارتقاء بالوضع اجتماعي.

تراجع الإنتاجية

منذ الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997، تراجعت انتاجية اليابان إلى أسفل قائمة مجموعة السبع، بمعدل يقل بكثير عن متوسط الإنتاجية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتراجعت الإنتاجية في قطاع الخدمات، الذي يوظف نحو %70 من القوة العاملة، بأكثر من %10 بين عامي 2003 و2016، وفقا لـ{بلومبيرغ».

قمصان نظيفة

تطور حول ثقافة العمل الشاق، مفاهيم عديدة منها على سبيل المثال ظهور نوع من الأدب، kodoku، يتحدث عن الوحدة بين الموظفين اليابانيين، الذين لديهم القليل من الوقت أو الميل لرؤية الأصدقاء أو العثور على شريك بطريقة رومانسية، تجعل من الأمر يبدو أفضل مما هو عليه حقا. كما تكثر المتاجر الصغيرة، التي تبيع قمصان نظيفة لأولئك الذين لم تتح لهم فرصة العودة إلى منازلهم.

أبرز معالم تقاليد العمل اليابانية

الإيجابيات

1 - أماكن العمل اليابانية رسمية جدا، ويعتبر من الوقاحة مناداة الزملاء بأسمائهم الأولى في العمل.

2 - لا وجود لفكرة ملابس العمل غير الرسمية في اليابان، ومن النادر رؤية ألوان زاهية. يرتدي معظم الموظفين الرجال بدلات رمادية أو كحلية أو سوداء، وغالبا ما يرتدون ربطة عنق حتى في فصل الصيف. كما ترتدي النساء الزي نفسه: قميص أبيض مع سترة سوداء أو كحلية وتنورة مطابقة، اضافة الى جوارب طويلة وحذاء بكعب قصير أسود مع شعر مربوط.

3 - في الشركات اليابانية، يجب على الموظفين الحصول على موافقة رؤسائهم في كل قرار يتخذونه مهما كان صغيرا.

4 - التهذيب: الحرص والتأدب في التعامل مع الآخرين من السمات المميزة للثقافة اليابانية، وهذا يترجم في مكان العمل من خلال بذل الجهد ليكونوا لطفاء وغير صداميين.

5 - العمل الجماعي: اليابانيون جيدون للغاية في العمل ضمن فرق عمل لإنجاز الأمور، ويفضلون بطبيعة الحال التعاون مع الآخرين.

6 - التواصل الاجتماعي: يمتد العمل الجماعي خارج الشركة مع الكثير من الزملاء وعلى الصعيد الاجتماعي.

7 - الإجماع في صنع القرار: تفضل الشركات اليابانية اتخاذ القرارات بناء على إجماع الكل في فريق العمل.

8 - التخطيط والمعالجة والتفاصيل: تنفق الشركات اليابانية قدرا هائلا من الطاقة على التخطيط، مع جمع المعلومات التفصيلية والتحليل. كما أنها تركز كثيرا على العمليات، بما في ذلك الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة. وهذا يؤدي إلى مستويات عالية من الجودة ونهج منظم ومنضبط. ويقول الكثير من غير اليابانيين انهم يتعلمون الكثير من هذه الطريقة الشاملة والمنهجية للعمل.

9 - القدرة على التنفيذ: نتيجة للتخطيط الدقيق والاهتمام بالتفاصيل، فإن الشركات اليابانية جيدة جدا في متابعة الخطة حتى النهاية. فبمجرد أن تقرر شركة يابانية القيام بشيء ما، فإنها تتأكد من إنجازه.

10 - عدم وجود نظام توصيف للوظيفة: تميل تعريفات الوظائف في اليابان إلى أن تكون غامضة وهو ما يوفر فرصة للانخراط في مجالات تتجاوز ما تم التعاقد معه في الأصل.

السلبيات

1 - أسلوب التواصل غير المباشر: إحجام اليابانيين عن قول كلمة «لا» بشكل واضح يشكل مصدرا للإحباط.

2 - الحاجة إلى القراءة بين السطور: لا يميل اليابانيون إلى أن يكونوا غير مباشرين فحسب، بل يميل أسلوب التواصل لديهم إلى أن يكون غامضا.

3 - عدم وجود ردود فعل إيجابية: واحد من الأشياء التي لا تقال هي ردود الفعل الإيجابية. فمن النادر أن يمتدح المديرون اليابانيون موظفيهم لفظيا، ويميلون بدلا من ذلك إلى التركيز على ما يحتاج إلى تحسين.

4 - إنجاز أي شيء يستغرق وقتا طويلا: الدقة والتخطيط واتخاذ القرارات الموجهة نحو توافق الآراء التي تمت مناقشتها سابقا تؤدي إلى إطالة أمد اتخاذ القرار. ويمكن لعدد كبير من الطبقات في التسلسل الهرمي والقواعد البيروقراطية التي لا تعد ولا تحصى للشركات اليابانية أن يطيل الوقت اللازم لإنهاء أي شيء.

5 - بطء التغيير: النتيجة الطبيعية للبطء في اتخاذ القرارات هي الميل للتمسك بالوضع الراهن وتجنب التغيير. وينبع ذلك من طبيعة تجنب المخاطر المتأصلة في الثقافة اليابانية إضافة إلى هياكل الحوافز التي تعاقب الفشل بشدة. نتيجة لذلك، يميل المديرون من المستوى المتوسط على وجه الخصوص، إلى التردد في تجربة أي شيء جديد خشية الفشل.

6 - الانتباه للتفاصيل: السعي الياباني نحو الكمال يعني أنه قد يتم تكريس طاقة هائلة على جوانب بسيطة نسبيا من العمل.

المسار الوظيفي غير الواضح: تميل الشركات اليابانية إلى عدم تحديد مسارات وظيفية واضحة لموظفيها.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking