اشتهر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق والأمانة، إضافة إلى ما عرف عنه من الشهامة والوفاء، صلى الله عليه وسلم، فسيرته العطرة وسنته الشريفة مليئتان بالمواقف والأحداث التي تدل على شهامته ووفائه، صلى الله عليه وسلم، وفيها من العظات والعبر ما هو كفيل بالاقتداء به واتباعه في أخلاقه الحسنة جميعها، صلوات ربي وسلامه عليه.

وحول هذه المعاني الرفيعة والأخلاق الجليلة نورد هذه القصة الواقعية عن التاجرين عبدالكريم بوالملح ويوسف عبدالعزيز الفليج، رحمهما الله تعالى، لتؤكد جملة من الصفات الحميدة، التي اتسم بها التاجر الكويتي، والتي من أهمها الشهامة والوفاء.

يروي السيد منصور عبدالكريم بوالملح (أبو مشعل) هذا الموقف فيقول: «كان العم يوسف عبدالعزيز الفليج، رحمه الله تعالى، من الأصدقاء المقربين للوالد، رحمه الله تعالى، وعندما زاره الحاج يوسف الفليج في المستشفى الأميري في مرضه الأخير الذي توفي فيه، وكان الوالد، رحمه الله، يشعر بقرب الأجل، وكان الحاج يوسف الفليج وكيل الوالد، الذي ولاه على أمواله وتجارته، لما وجد فيه من صدق التعامل والحرص والجدية في حفظ الأموال؛ بل واستثمارها بحرفية وأمانة، فعندما رآه الوالد، رحمه الله، سُر لذلك كثيراً، كأنه ينتظر قدومه عليه، وقال له: «يا يوسف، مشكور على ما بذلته لي من جهد ونصح واستثمار، ولكن أرجوك كل الرجاء أن تعلم أنني قد وضعت ديني عن كل المدينين لي، وأني قد تنازلت عن حقوقي لدى الآخرين جميعاً، فإذا جاءك بعد وفاتي من يدعي أنه مدين لي، ويريد أن يسدد لأولادي من بعدي الدَّين المستحق عليه، فأرجو أن ترده رداً جميلاً، ولا تدعه يدفع لك لمصلحتي أو لمصلحة ورثتي ولو فلساً واحداً».

وبالمقابل، اجتهد الحاج يوسف الفليج في تربية ابنيه من بعده: الأكبر حسين وكان عمره آنذاك على مشارف الثمانية عشر عاماً، ومنصور وكان عمره آنذاك يتراوح بين السابعة والثامنة، فرعاهما ورعى أموالهما ولم يبلغا مبلغ الرجال إلا وقد نمّى لهما أموالهما تنمية مضاعفة، بحمد الله وتوفيقه، ومن دون أن يتقاضى أي أجور مقابل الإدارة، وهذا العرف مشروع وموجود في كثير من الأحيان، بل إنه من فرط حرصه عليهم وحسن إدارته لأموالهما، فقد أشركهما في الاكتتاب في كبرى الشركات في الكويت، التي كان لها الأثر الكبير في نمو ثروتهما وزيادتها، ومن ذلك الاكتتاب في شركة ناقلات النفط، وآخر في بنك الخليج، وغيرهما من الشركات والبنوك التي واكبت تلك الفترة.

وهكذا قدم التاجران عبدالكريم بوالملح ويوسف الفليج، رحمهما الله تعالى، دروساً تربوية عدة بين ثنايا ذلك الموقف، من أهمها الوفاء والشهامة المتأصلين في تجار الكويت الكرماء، وقد ظهرت أهم ملامحها في توجيه التاجر عبدالكريم بوالملح صديقه التاجر يوسف الفليج إلى ضرورة إسقاط الديون عن جميع المدينين له، وهذه اللفتة الإنسانية لا تخلو في أي حال من الأحوال من أخلاق المروءة والوفاء. وفي المقابل، نجد الشهامة والوفاء عند التاجر يوسف الفليج، الذي وقف إلى جوار صديقه واستثمر أمواله أفضل استثمار حال حياته، والوفاء والأمانة في رعاية ابنيه وماله وحرصه على رعايتهما أفضل رعاية بعد وفاته من دون أن يتقاضى أي مقابل على ذلك العمل، بل كان الباعث الوحيد شهامته ووفاءه لصديقه وابتغاءه الأجر والثواب.

وهكذا تمتع أهل الكويت في كويت الماضي بالكثير من الصفات الجليلة التي سطرها التاريخ في حقهم، خصوصا من امتهن منهم مهنة التجارة، فامتازوا بالشهامة والمروءة والوفاء، فكانوا قدوات حسنة لمن جاء من بعدهم حتى يسيروا على دربهم ويسلكوا نهجهم.

رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته.

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ajalkharafy@gmail.com

www.ajalkharafy.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking