الوضع الإقليمي يكاد يتفجر من حولنا بسبب تداعيات الصراع الأميركي ـــ الإيراني، الذي وصل ذروته في العراق، بقيام طائرات أميركية مسيرة بقتل رجل إيران الأول في المنطقة الجنرال قاسم سليماني، بعد أن حاول أن يمس المصالح الأميركية في العراق.

في أجواء التشنج هذه يكون للفعل البسيط تأثير أكبر، خصوصا في ظل التأثير المرعب لشبكات التواصل الاجتماعي، ولهذا كله يكون من الضروري على كل سياسي وكاتب ومدون ومغرد كويتي أو يعيش في الكويت ويُحسب عليها، أن يتجنب في كتاباته تعريض الكويت لأي ردود فعل سلبية من قبل حكومات أو أحزاب أو الرأي العام في دول الأزمات.

ولكن هل كل ما يصدر في الكويت من تصريحات حادة تثير أطرافا خارجية يُحسب بالفعل ضد دولة الكويت، وإن لم يصدر من جهة ذات طابع رسمي؟

المنطق يقول لا، فلا يمكن تحميل الدولة في الكويت مسؤولية كل فعل سلبي يصدر عن جهات غير رسمية، ولكن هذا يكون فقط حين تكون هناك قوانين تنظم العمل السياسي والحزبي، أما في وضعنا الحالي فللأسف الدولة في الكويت تتحمل بالفعل كل ما يصدر في الكويت من أقوال وأفعال تمس مصالح دول أخرى، وتدفعها إلى الرد على الكويت بإجراءات تمس المصالح الكويتية.

لمثل هذه الظروف الملتهبة والمتشنجة نادى كثيرون بضرورة تشريع قوانين تنظم العمل السياسي والحزبي، كي يتحمل كل شخص أو تيار مسؤولية أفعاله وفق إطار قانوني واضح، يجنب الدولة تحمل وزر كل شيء، ويمنع أي طرف خارجي من تعويم المسائل وخلط بعضها ببعض، والقيام بابتزاز دولة الكويت لمجرد أن شخصية أو شخصا أهوج قرّر أن يعرض مصالح الكويت الوطنية للخطر لمجرد تحقيق نصر انتخابي.

رخص الطالب والمطلوب

على وزارتي الإعلام والخارجية، وبدلاً من استخدام لغة الوعظ مع بروز كل أزمة لمنع صدور أنشطة في الكويت، قد تعرض مصالحها للخطر في الخارج، أن تشرحا من مجلس الوزراء أهمية التنظيم القانوني للعمل السياسي والحزبي، ودور ذلك في حماية الدولة في الكويت من أي أنشطة تقوم بها أطراف أو أشخاص يستغلون حاليا غياب هذا التنظيم لتحقيق مكاسب شخصية وانتخابية على حساب الأمن الوطني الكويتي.

لنقرب الصورة بذكر بعض الأمثلة:

في تركيا لا يمكن أن تمارس العمل السياسي الحزبي أو الفردي من دون ترخيص، لذلك يتضمن حقوقا ومسؤوليات تمنع المشتغل بالسياسة من تأجيج النعرات، وتقيده في مسألة نشر الأكاذيب والإشاعات، فإن قام بذلك منع من العمل في السياسة، وتمت معاقبته.

أما الأفراد العاديون فلا تصدر عنهم مواقف أو تصريحات سياسية، طالما لم يحصلوا على ترخيص للعمل في السياسة، ولهم أن يبدوا آراءهم في منصاتهم الشخصية، أما وسائل الإعلام فلا تتعامل معهم كسياسيين أو كشخصيات عامة.

قد يبدو في هذا النهج تقييد للحريات العامة، لكنه في حقيقته تنظيم ضروري ليمنع أن تتحول هذه الحريات إلى أمر مطلق يحولها من حريات عامة إلى معاول هدم للدولة والمجتمع.

منذ عام 2006 تقدم نواب في مجلس الأمة بمقترحات قوانين عدة لتنظيم العمل السياسي في الكويت، وكانت المبادرة من النائب السابق عبدالله عكاش، ولكن الحكومة الفعلية في الكويت، على ما يبدو، لا تريد أن تكون هناك تيارات سياسية منظمة وقوية، وهو هدف قد يحقق للحكومات المتعاقبة نصرا سياسيا صغيرا، لكنه انتصار يعرض الكويت دوما إلى مخاطر الفوضى السياسية، التي تجعل من أي تصريح سلبي يصدر من أي شخص، مهما صغر حجمه وتأثيره الداخلي في وقت الأزمات السياسية، يشكل خطرا سياسيا حقيقيا يضعف من قدرة الدولة على تجنب تبعات هذه الأزمات المتعاقبة.

القانون الصارم وحده من سيحمي الكويت من الطابور الخامس الذي ينمو ويعيش وسط أجواء الفوضى.

داهم القحطاني

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking