10 اعتداءات قوبلت بصمت عسكري أميركي..فماذا تغيّر؟

وليد قرضاب -

استأسدت الولايات المتحدة في الرد على رسائل ايران الأمنية الأخيرة، رغم امتناعها في السابق عن اي ردة فعل على هجمات ايرانية استهدفت مصالحها او مصالح حلفائها في المنطقة. وكان يوم 27 ديسمبر الماضي يوما مفصليا في تغيير التكتيك الاميركي في اللعب مع النظام الايراني عبر الانتقال من الدفاع والمناورة والضغط الاقتصادي والدبلوماسي إلى تغيير في قواعد الاشتباك العسكري ورفع سقف المواجهة ضد الحرس الثوري واذرعه في الشرق الاوسط بعد تمادي الميليشيات التابعة لايران بتحرشاتها العسكرية التي وصلت ذروتها في 27 ديسمبر مع اطلاق حزب الله العراقي صواريخ على قاعدة اميركية في العراق، فجاء الرد الحاسم من واشنطن بقصف قواعد لحزب الله وقتل 25 منهم بينهم قيادي في 29 ديسمبر.

غير ان الرسالة الاميركية يبدو انها لم تصل إلى مسامع فيلق القدس الذي يحرك الاذرع الموالية له في المنطقة فكانت محاولة اقتحام أبواب السفارة الأميركية في بغداد مطلع السنة والتي ذكرت الاميركيين بأزمة السفارة في طهران عام 1979، القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت إلى اتخاذ قرار بتصفية الرأس المدبر المفترض لتلك العمليات الجنرال قاسم سليماني مهندس التوسع الايراني في الخارج، ليصبح يوم 3 يناير تاريخا مفصليا في المواجهة الفعلية بين الولايات المتحدة وايران بعد اكثر من عام ونصف العام من خروج ادارة ترامب من الاتفاق النووي في مايو 2018.

منذ تمزيق ترامب للاتفاق النووي واعلانه اقصى العقوبات على ايران لتجفيف مصادر تمويلها للارهاب، اتهمت إيران بسلسلة من الاعتداءات ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، لكن دون ان تؤدي هذه الاعتداءات إلى رد فعل عسكري بل اكتفت الادارة الاميركية في كل مرة بزيادة العقوبات.

ففي 13 مايو 2019، تعرضت أربع ناقلات نفطية (2 إماراتيتين، 2 سعوديتين) في مضيق هرمز لهجوم بحري، واتهم مستشار الامن القومي الاميركي السابق جون بولتون إيران بالضلوع في الهجمات، بينما نفت طهران.

وفي 14 مايو 2019، أطلق الحوثيون المدعومون من إيران، هجوما بالطائرات المسيرة على خط أنابيب سعودي، واتهمت الرياض طهران بالتخطيط للهجوم.

وفي 12 يونيو، وقع الهجوم الأول على مطار أبها الدولي، بعدما أطلق الحوثيون صاروخ كروز على صالة القدوم بالمطار، ما خلف نحو 26 جريحاً.

وفي 13 يونيو، تعرضت ناقلتا نفط لهجمات في خليج عمان قرب الموقع الذي تعرضت فيه الناقلات الأربع للاعتداء، واتهم حينها وزير الخارجية مايك بومبيو إيران بتنفيذ العملية، ونشر مسؤولون أميركيون فيديو يظهر التورط الإيراني.

وفي 20 يونيو، أسقطت إيران طائرة أميركية مسيرة مدعية أنها تخطت الحدود الإيرانية، وكاد الحادث يؤدي الى مواجهة، لكن الرئيس ترامب تراجع في اللحظة الاخيرة عن اعطاء اوامر لقواته بالرد على اسقاط الطائرة، الأمر الذي فسر حينها على انه ضعف وتراجع اميركي كبير امام طهران.

وفي 27 يونيو، اوكلت طهران نهجها بالاعتداء على السفارات والبعثات الدبلوماسية الى ميليشيات الحشد العراقي من عصائب أهل الحق والنجباء وكتائب حزب الله وكتائب الإمام علي وكتائب الخراساني وبدر التي وبإشراف مباشر من فيلق القدس اعتدت على سفارة البحرين في بغداد. وفي 19 يوليو، أعلن الحرس الثوري مصادرة ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز.

وفي 7 سبتمبر 2019، احتجز خفر السواحل الإيراني سفينة في الخليج مع طاقمها المؤلف من 12 فلبينياً، بدعوى قيامها بتهريب الوقود.

وفي 14 سبتمبر، اتهمت ايران بالهجوم على منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو في السعودية، رغم تبني الميليشيات الحوثية للعملية، وكان الهجوم هو الاعتداء الاعنف على السعودية الذي هدد امدادات الطاقة العالمية، ويرجح انه تم بصواريخ كروز ايرانية اطلقت من ايران او من العراق وليس من اليمن. وفي 16 سبتمبر، احتجزت إيران سفينة زعمت انها تستخدم في تهريب الوقود واعتقلت طاقمها المؤلف من 11 فردا بالقرب من مضيق هرمز.

ماذا تغير؟

هذه الاعتداءات التسعة قوبلت بصمت عسكري من جانب الولايات المتحدة، ما طرح اسئلة كبيرة حول كيفية تعاطي ادارة ترامب مع الاستفزازات الايرانية، وكان التساؤل الابرز هو ما الذي يمنع الولايات المتحدة من الرد المباشر على إيران؟

ورجح خبراء أن الرئيس دونالد ترامب الذي عوّد ناخبيه على الوفاء بتعهداته الانتخابية السابقة اراد ان يفي بتعهده بعدم الانخراط في حروب خارجية، لا سيما انه على ابواب سباق انتخابات عام 2020، وكان ترامب يأمل ان يجر النظام الايراني إلى طاولة المفاوضات من دون اراقة الدماء، لا سيما انه يخوض في المقابل حرباً تجارية مع الصين وحرباً اخرى في الشرق الأوسط تتمثل في اعادة تموضع القوات الأميركية في سوريا والعراق عقب هزيمة تنظيم داعش الإرهابي.

وعند إقالة ترامب لكبير صقور المحافظين في الإدارة الأميركية جون بولتون، رأى خبراء في الإقالة محاولة لتقليص فرص التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يحتاج فيه ترامب إلى الاستقرار وتصفير المشاكل مع العالم الخارجي للانصراف إلى معركته الانتخابية.

وحينها رأى محللون عسكريون أن أميركا لم تكن بحاجة ملحة إلى الرد على إيران عسكريا، لعدم وجود انتهاك عسكري مباشر للمصالح الأميركية، باستثناء إسقاط الطائرة المسيرة «غلوبال هوك».

ولكن ما الذي تغيّر اليوم واستدعى هذا الرد الأميركي العنيف والمباشر على إيران؟

دعم الرئاسة المترنحة

يرى الكاتبان نادر انتصار وكافيه أفراسيابي في موقع «ميدل إيست آي» أن «توقيت عملية قتل سليماني مهم، فبالنسبة إلى إدارة ترامب انتهى عام 2019 بحس من المرارة، وبأزمة سياسية داخلية بسبب سعي مجلس النواب لمحاكمة الرئيس، ووضع متفجر وخطير في العراق يمكن بسهولة أن يحول عام 2020 إلى عام حرب أميركية في الشرق الأوسط».

ويستدرك الكاتبان بأن «من الخطأ أن تختزل نوايا ترامب من وراء الغارات الجوية مؤخرا - والأهم اغتيال سليماني الذي ينطوي على إساءة تقدير- بكونها ظروفا خارجية في العراق أو المنطقة، وغض الطرف عن أن ترامب يلجأ إلى أسلوب قديم معروف يقوم على إثارة أزمة خارجية لحرف الأنظار عن المشكلات المحلية التي تواجه رئاسته، وهذا يذكرنا بكيفية قيام بيل كلينتون عام 1998 بالأمر بغارة جوية على العراق عشية التصويت على محاكمته».

ويقول الباحثان: «كذلك، سعيا منه في حرف الأنظار عن مساءلة الكونغرس له، التي اكتسبت زخما بنشر أدلة أكثر تشير إلى (مقايضة) مع أوكرانيا، فإن ترامب وفريق سياسته الخارجي يحسبون المكاسب السياسية من (وقوفه في وجه) إيران، بما في ذلك هجوم العراقيين على السفارة الأميركية المحصنة في بغداد».

وينوه الكاتبان إلى أن «وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية بأكملها تصطف وراء ترامب، مسجلة له استخدامه الحكيم للقوة ومربتة على كتفيه لتخليه عن التردد السابق في استخدام القوة».

ويرى الكاتبان أنه «بلعبه في النار لدعم رئاسته المترنحة، التي قوضتها مخاوف محاكمة الكونغرس له، فإن ترامب يظهر الآن أعراض الرئيس المستخف بالحرب، المستعد لإحداث حرب مدمرة أخرى في الشرق الأوسط، فيكون قد خان وعده بعدم توريط أميركا في صراع آخر». وقبل انتخابات 2012 بعام كامل، غرّد دونالد ترامب محذّراً من أن الرئيس الديموقراطي باراك أوباما «من أجل أن يُعاد انتخابه سيشن حربا ضد إيران».

ومنذ تأكيد أنباء قتل القوات الأميركية للقائد الإيراني قاسم سليماني، يتداول أنصار الحزب الديموقراطي تغريدة ترامب السابقة ويربطون تطورات الساعات الأخيرة بانتخابات 2020. وقالت الخبيرة كاليه توماس بمعهد الأمن القومي الأميركي الجديد للجزيرة نت إن «إدارة ترامب أرادت أن تُظهر مقدرتها وقوتها عقب تطورات الأحداث في العراق خلال الأيام الأخيرة».

ورأت كاليه أن «القيام بمثل هذه الخطوة يتطلب التخطيط الجدي لما يأتي بعدها من ردود أفعال إيرانية غالبا ستأتي في إطار التصعيد، وستظهر الأيام والأسابيع القادمة إن كانت إدارة ترامب مستعدة لردود الفعل الإيرانية أم لا».

انتفاضة الهلال الشيعي

وهناك من يرى ان ما جرى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاحداث المتتالية التي تعرض لها محور ايران في الهلال الشيعي الذي كان يرسمه ويديره قاسم سليماني، فاندلاع الثورة في العراق وحرق المتظاهرين لصور سليماني والمرشد علي خامنئي في قلب المناطق الشيعية بالعراق شكّلا صدمة للايرانيين الذين حاولوا جاهدين منذ عام 2003 كسب العراق كساحة خلفية لهم، وناهيك عن ذلك فقد تعرض ذراع ايران الابرز اي حزب الله في لبنان لنفس الضربة بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري التي كانت توصف بحكومة «حزب الله» وبالتالي اعتبر الايرانيون انهم يخسرون ما بنوه خلال عقد ونيّف، وأن الأميركيين ربما يكسبون هذه الجولة، لا سيما مع تراجع الخطاب الطائفي الذي اعتمد عليه النظام الايراني منذ قيام الثورة الاسلامية، ما دفع، بحسب مراقبين، فيلق القدس بقيادة وتوجيه من سليماني إلى العمل على قمع هذه الاحتجاجات، وجاءت الضربة الايرانية الحادية عشرة في 27 ديسمبر بثلاثين صاروخاً على قاعدة اميركية في كركوك اسفرت عن مقتل مدني أميركي، واتت بعد سلسلة هجمات على قواعد عراقية تضم عسكريين أميركيين بمنزلة تخطي ايران لجميع الخطوط الحمر المسموح بها بمواجهة اميركا، وتهديد لصورة «اميركا العظيمة» التي هي في صلب ايديولوجية الرئيس ترامب، فكان القرار بالرد لاستعادة زمام المبادرة والقول للايرانيين ان فترة اللعب انتهت وآن أوان الردع القوي. وهذا الامر كان بارزا امس في تأكيد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأن الشعبين العراقي واللبناني لا يتظاهران ضد أميركا، وإنما ضد الفساد، وأن قاسم سليماني كان في قلب الأحداث التي تسببت بكوارث في سوريا والعراق.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking