بريد القبس.. «قارب نجاة»

د. ولاء حافظ

جرت أحداث اليوم بشكل روتيني، لم يكشف عن أي مفاجآت تخبئها لنا الأقدار إلى أن ارتفعت دقات قلبي بلا سابق انذار، وصرت أتصبب عرقاً وبالكاد ألتقط أنفاسي، وما كدت أطلب الاستعانة حتى غبت عن الوعي «كما أخبروني لاحقاً».

تجربة يا سيدتي كلما تذكرتها اقشعر جنبي، ولا أقول غير سبحان من بيده أمر الروح.. غبت عن الحياة ساعات وأياما، يذكر من حولي عددها ولكنها لم تكن لي سوى يوم شديد الأهوال.

رأيتني في تلك الليلة أُسحب من يدي، وإذا مناد من بعيد يقول «أقيموا عليها الحساب» فإذا ببساط طويل يفرش أمامي لا ينتهي، وأنا أركض فوقه ولا أدري ممَّ أفر وإلى من؟ بيد أني كنت في شدة الخوف والعرق يتصبب والطريق يزداد ظلاماً وأنا أزداد رعباً.. مكثت على هذه الحال حتى ظننت أن لا نهاية للطريق ولا مجال للرجوع ولا سبيل للتوقف، فصرت أركض أركض حتى وجدت أيدي تلوح لي وتشع نوراً تطول من مكانها حتى ضمتني بشدة ورفعتني من الطريق.. حينها فقط يا سيدتي فتحت عينيّ لأجد نفسي ممدة على سرير العناية الفائقة وأمامي أعداد من الأطباء والممرضات، وما علمته لاحقاً أني مكثت على هذه الحال يا سيدتي ما يقارب شهراً كاملاً وبضعة أيام، وعندما رويت ما رأيت لزوجي وأبنائي أصروا أن أفصح عن تلك اليد التي ضمتني من هناك لتأتي بي إلى هنا مرة أخرى. نعم يا سيدتي إنها يد لا أخطئها أبداً هي يد «فاطمة» عاملة النظافة التي كانت معي في العمل.. تبدأ قصتي مع فاطمة عندما افتقدناها يومين على التوالي إذ إنها كانت صاحبة ابتسامة مشرقة لا تُنسى، وفي نهاية اليوم قررت أن أذهب إلى مكان سكنها الخاص وأسأل عن سبب غيابها، حيث كان قريبا جداً من مكان العمل.. وإذا بأبنائها يبكون بشدة وكبيرها يبلغ من العمر عشر سنوات، وبيده رضيعها ؛ فجعني ما رأيت وزادني قلقاً عليها، فقد قال لي «أمي بالمشفى» وأخبرني بالتحديد أين يكون ذاك المشفى، وعندما أدرت وجهي مستعدة للذهاب إلى فاطمة إذ به يقول لي بصوت لا أنساه «هل ستموت أمي»؟! هنا انفطر قلبي وأدرت وجهي أطمئنه: بل ستعيش وتعيش طويلاً، وما كان مني إلا أني أسرعت وأحضرت لهؤلاء الأطفال ما يتقوتون به حتى ترجع الأم، وذهبت إلى المشفى سريعاً، وإذا بها الأم بين الحياة والموت تعاني من فشل كلوي متأخر، وعلى الرغم من أن زوجها قرر التبرع لها بإحدى كليتيه إلا أنها كانت تحتاج إلى نقل كميات كبيرة من الدم ومن فصيلة نادرة، وهو الأمر الذي زاده تعقيداً وأجلّ الجراحة.. ولن تصدقي يا سيدتي أني كنت صاحبة الفصيلة نفسها النادرة فأرسلني الله في هذه اللحظة لكي تجري الجراحة بسلام وتجري دمائي في عروقها، ورحلت من المشفى ولم تعلم فاطمة أو غيرها أني من قدمت لها أكسير الحياة وجعلتها «خبيئة بيني وبين الله» ولم أنس من تلك اللحظة أن أرسل لأبنائها بشكل يومي حقيبة ملأى بكل ما يساندهم في الحياة.

الرد:

جميل أن يجد الإنسان ما يقدمه لنفسه في وقت هو أحوج ما يكون إلى كل فضل من المولى «فصنائع المعروف تقي حتماً مصارع السوء».. فشدة الصدق عندما تكون خالصة لوجه الله تعالى هي منجاة إن لم تكن على الأرض فحتماً يوم العرض، وها قد أراك الله كيف ينير المعروف طريق الملهوف، ولا تتوقفي يا سيدتي عن قراءة الحكمة من ذاك اليوم الذي امتد إلى ما يزيد عن شهر فإن كانت الحياة تتسع لسنوات طوال من اللهو والتعب، فأنفسنا تستحق أن نخبئ لها عند المولى خبيئة تعبر بنا الى قارب النجاة.

تحياتي

ونستقبل رسائلكم بكل حب وشغف على dr.walaa.hafez@alqabas.com.kw

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات