فاز حزب المحافظين في الانتخابات الأخيرة بأغلبية مريحة، تمكن رئيس الوزراء بوريس جونسون من تنفيذ التزاماته بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإغلاق الملف الذي سبب الأذى لرئيسة الوزراء السابقة تريز ماي، وشحن زعيم العمال المعارض بالأمل بالفوز لإبقاء بريطانيا في الاتحاد، لكن النتيجة عقدت مستقبل زعيم العمال، وكشفت له حقائق المزاج البريطاني الحالي، الذي لا يستسيغ برنامج العمال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأسجل بعض الملاحظات التي أراها مفيدة للتذكير في مسار العلاقات الكويتية - البريطانية:

أولاً: احتفلنا في لندن منذ أشهر خلال فترة الصيف بمرور 120 سنة على توقيع اتفاقية الحماية بين بريطانيا والشيخ مبارك الصباح، كان الشيخ مبارك يتمتع بحس أمني سابق جيله بقراءاته العاقلة للصراع بين الدولة العثمانية والامبراطورية البريطانية، التي تسعى الى تأمين خطوط الملاحة إلى الهند.

ومن تلك الاتفاقية تمكنت الكويت من إفشال غارات الإخوان في العشرينيات من القرن الماضي، وإفشال أطماع الآخرين، سواء الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى، أو من الدولة العراقية في عهد الملك غازي، وأغلقت الأبواب في وجه المغامرين والطامعين، وظلت الحماية فعالة ومؤثرة حتى إعلان الاستقلال.

ثانياً: من حضن الاتفاقية برزت شراكة إستراتيجية بين الكويت وبريطانيا شملت جميع المسارات، إستراتيجية وأمنية وسياسية واقتصادية وثقافية، وأظهرت الكويت حساسية إيجابية في الوفاء بمتطلبات الشراكة، لا سيما بعد اكتشافات النفط، وانسياب الدخل بحجم غير مسبوق، مع خطوات كويتية لتعزيز الاقتصاد البريطاني، لا سيما في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، مع مساندة دائمة للعملة البريطانية.

ثالثاً: في فترة الستينيات، وصل التنسيق الكويتي - البريطاني إلى سقف عال في ضوء قرار بريطانيا الانسحاب من الخليج بنهاية عام 1971، وانطلاق الكويت في دعم الخليج في المجالين التعليمي والصحي والاعلامي، والتفاهم مع بريطانيا حول ضرورات قيام الاتحاد الخليجي تأميناً للاستقرار والأمن وحفاظاً على الكيان الخليجي المتوارث.

لم تكن تلك الرحلة بين بريطانيا والكويت سمناً على عسل دائماً، كانت الخلافات في المواقف حول مكتب الكويت في دبي، الذي يشرف على المساعدات الكويتية، لا سيما في الصحة والتعليم، كانت بريطانيا تريد الكويت أن تتعاون مع المكتب التنفيذي لمجلس الحكام، الذي ساعدت في تشكيله، لتوفر الدعم المالي والفني لمختلف الإمارات، وكان رأي الكويت الحفاظ على سيادة مكتب الكويت مستقلاً دون إملاءات بريطانية، كما كانت بريطانيا تتحفظ على مقترح الكويت تولي سفارات الكويت الشأن القنصلي الخاص بالإمارات، مثل إصدار تأشيرات الدخول إلى الخليج من سفارات الكويت دون سفارات بريطانيا، كما كانت تتهم مكتب الكويت بمساعدة الإمارات بتسهيل الدعاية للنظام الناصري عبر المدرسين والأطباء المصريين، لأنها لا تريد صداع الرأس ولا تتجاهل الإعلام المصري الموجه نحوالجنوب والخليج، وكانت الكويت تصر على التزامها بقرار الجامعة العربية، حفاظاً على استقلال المكتب.

ورغم هذا التباعد في المواقف، كان التعاون راسخاً في الاتصالات حول موضوع البحرين، وقيام الاتحاد الخليجي، الذي انتهى بوحدة الامارات السبع واستقلال كل من قطر والبحرين، كل ذلك تحقق بمشاركة سعودية - كويتية واستشارات بريطانية.

رابعاً: اتسعت مجالات التعاون في المال والاستثمار والتعليم والتواصل الثقافي والسياحي والتفاهم السياسي.. لم يتأثر مجرى العلاقات رغم الاضطرابات الاقليمية في أعقاب حرب 1967 وصدمة الهزيمة، كان السفير البريطاني في الكويت آنذاك جيفري آرثر، وكنت مسؤولاً في مكتب معالي الوزير، سمو الأمير، عندما كان وزيراً للخارجية، وجاء السفير بإصرار على معرفة موقف الكويت من ادعاءات كل من الأردن ومصر حول مشاركة بريطانيا في الحرب، فكان الرد بأن الكويت غير مقتنعة بهذا الاتهام، الذي زاد من آلام الهزيمة.. وتواصل التفاهم دون انقطاع.

خامساً: تطاول صدام حسين على الكويت متصوراً أنها لقمة منعشة وواعدة لإرضاء غروره في قيادة العالم العربي، فكان الغزو في أغسطس 1990، وجاء الرد عبر الائتلاف العربي والتحالف العالمي، بمشاركة بريطانية فاعلة ومؤثرة، وبدعم سياسي وإستراتيجي قاطع، ونفرح معاً بالتحرير ويتوجه المرحوم الشيخ جابر الأحمد، أمير الكويت، تقديراً منه إلى بريطانيا عام 1995، بزيارة رسمية عبّر فيها عن صلابة المشاركة والإصرار على إدامتها، ويعود البعد الأمني البريطاني الرادع إلى الكويت وإلى المنطقة بتحالفات ثنائية بين دول مجلس التعاون وبريطانيا، مع وجود بريطاني في الكويت في كل ما تتطلبه الشراكة، وانفتاح شامل، وبتدفق سياحي لا يتوقف.

سادساً: في نهاية شهر يناير 2020، تنسحب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويشكل هذا الانسحاب خسارة لنا في الكويت، حيث كان الوجود البريطاني داخل الاتحاد الأوروبي هو الصوت العارف بالشأن الخليجي، الخبير بمزاج قياداته، والمتمكن في حواراته التاريخية مع شعب الخليج، والواعي لأهمية اعتدال دبلوماسيته، لا سيما في الشأن الخارجي، وفي التفاعل الواقعي في شؤون الطاقة، والمدرك لدور الخليج في الاستقرار العالمي والأمن الشامل، مع تعاون تكنولوجي للمزيد من الاكتشافات أو مساعدة دول الخليج في تأمين مصادر بديلة تخفف من الاعتماد على الطاقة.

سابعاً: أكدت بريطانيا التزامها التاريخي بشأن الخليج عبر حجم دعمها لمجلس التعاون منذ قيامه في 1981، فأحاطت المجلس برعاية خاصة في احتضانه وتبني علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، وفي تأكيد حرصها على استقلال الدول الأعضاء والحفاظ على سلامتها الإقليمية، وتطور التعاون عبر وجود الناتو وحضور بريطاني العسكري خليجياً.

أتذكر، بكل تقدير، دعوة وزير الدولة البريطاني لي عام 1982 لزيارة لندن، وإقامة حفل غداء قدمت فيه شرحاً واسعاً لمعاني مجلس التعاون، كما أصر وزير خارجية بريطانيا السير جيفري هاو - Sir Geoffrey Howe على زيارة الأمانة العامة في الرياض خلال زيارته الرسمية للمملكة.

ثامناً: منذ أيام، كان في الكويت الأمير وليام، الرجل الثالث في النظام الملكي البريطاني، في زيارة رسمية إستراتيجية، أعطت المزيد من خزان التفاهم والمودة بين الشعبين.

فاز صديق الكويت بوريس جونسون، لكننا خسرنا بعض الأصدقاء الذين كانوا يتواصلون معنا في جمعية الصداقة الكويتية - البريطانية، لكن الترابط الإستراتيجي بين الكويت وبريطانيا سيتعاظم، وستزداد اللقاءات، خصوصاً لنا في جمعية الصداقة الكويتية - البريطانية، وسينشغل بنا السفير الكويتي خالد الدويسان صاحب الشعبية الواسعة في أوساط لندن.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking