اهتم ديننا الإسلامي العظيم بالبيئة المشجِّعة على الإبداع والابتكار، ورغّب في تحصيل ثواب الدنيا والآخرة لمن عمل صالحاً؛ وذلك ليتحمَّس المبدع للرسالة التي يحملها، ويدخل عالم النجاح الواسع، فتمتلئ الحياة بالإيجابيّة والخيرية له ولمن حوله.

ولقد ضرب أهل الكويت الكرام أروع الأمثلة في الإبداع والابتكار، وكذلك برع الكثير منهم في المشاركة الإيجابية في وضع الحلول المختلفة للأزمات والمشكلات التي واجهتهم في كويت الماضي، فساهم تجار الكويت في فترة مهمة من التاريخ في القيام بدور القضاء والمحاكم في وقتنا الحاضر، فعندما غابت التشريعات المنظمة لكثير من الأوضاع المتعلقة بالأنشطة التجارية، حيث كانت معظم التعاملات يحكمها العرف والاتفاقات الشفهية، قام التجار والحكماء والوجهاء بالدور المهم والبارز في ذلك المضمار.

ويوضح هذا الموقف الواقعي («رجل التجارة والسياسة والإنسانية: محمد رفيع حسين معرفي» - الكويت: ديوان آل معرفي) مثالاً ونموذجاً لصاحبه التاجر محمد رفيع حسين معرفي، وكان أحد تجار الكويت المعروفين بعقليته التجارية المبدعة.

وفيه أن التاجر محمد رفيع حسين معرفي كان تاجراً ماهراً وحاذقاً، وقد أكرمه الله تعالى بامتلاك مجموعة من الشركات التجارية داخل الكويت وخارجها، وكانت معاملاته التجارية يعتريها البطء وعدم الإنجاز في أحيان كثيرة، وذلك نظراً الى وجود قصور في التشريعات والمعاملات والاتفاقات التجارية غير المحمية تشريعياً في ذلك الوقت، وهي الفترة التي سبقت النهضة التشريعية في الكويت في الستينيات من القرن العشرين، الأمر الذي جعله يبتكر الطرق والوسائل القانونية لتنظيم أعماله التجارية، فيصيغ عقوده التجارية ويبتكر طريقة لتأسيس شركات تجارية داخل الكويت وخارجها، ففي يوم من الأيام جلس التاجر محمد رفيع معرفي يكتب بنفسه عقد شراكة عرفياً لتأسيس شركة تجارية، وكان ذلك على الأغلب في يوم 10 أغسطس سنة 1948م، وكانت هذه الشراكة بينه وبين كل من المرحوم محمد ملا حسين التركيت، والمرحوم عبدالله عبدالسلام ملا حسين التركيت، ويتضمن العقد تأسيس شركة تجارية في الكويت برأسمال قدره خمسون ألف روبية، يدفع محمد رفيع معرفي نصف هذا المبلغ، وتستعمل هذه الشركة في تعاملها مع الغير اسم «محمد رفيع معرفي ومحمد ملا حسين»، كما نص هذا العقد على تعيين المرحوم عبدالله عبدالسلام مديراً لهذه الشركة، وتستمر الشراكة لمدة خمس سنوات من تاريخ هذا العقد يجوز تجديدها، كما تضمن العقد جميع الحقوق والواجبات الملزمة على جميع الأطراف، والحقوق المالية والقانونية المترتبة عليه.

وإنه لمن المدهش، ولكن ليس بمستغرب، أن يبتدع التاجر محمد رفيع حسين معرفي هذا الابداع الجديد، فقد هيأته خبراته في العمل التجاري واطلاعه على تجارب وقوانين الدول الأخرى، التي سبقت الكويت في إبداعاتها التشريعية، أن يقوم بهذا الإنجاز، فتمكن من إيجاد طرق ووسائل علمية وقانونية لتنظيم أعماله التجارية، فصاغ عقوده التجارية، وابتدع طريقة لتأسيس شركة دون غطاء قانون لها، في خطوة سابقة لعصره تعد من الابداعات المهمة في تاريخ التاجر الكويتي بصفة عامة وفي تاريخه الشخصي بصفة خاصة.

 د.عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ajalkharafy@gmail.com

www.ajalkharafy.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking