خاطبتُ الباري قبل فترة بمقال طالبا تحديث «سلة الحياة الأساسية» التي غرسها بذاتي، ومُساعدتي على التحلي بالصفات الأخلاقية المغروسة بطيبة الفطرة الإنسانية. فطرة صادقة تظهر وتتجلى بنقاء الطفولة وبراءتها المنقوشة على جبين طفلٍ يشع نورا وبهاء، وعفوية تنشر البهجة والسرور. لا شك بقدرة الخالق على فعل ذلك لأنه «يفعل ما يشاء»، ولكنه منحنا بالمقابل وسائل تطوير إنسانيتنا وتصرفاتنا للأفضل، لذلك يصعب تصور تملك الصفات الإنسانية والأخلاقية الطيبة دون بذل الجهد والعمل الدؤوب ودون تنفيذ التعاليم المذكورة بكتاب الله ووصايا الأنبياء والمرسلين حتى يتمتع المرء بالطمأنينة والراحة.

لا شك بأهمية الدعاء والمُناجاة بكُل صدقٍ وخُلوص وتواصلنا القلبي مع الخالق الذي هو أقْرَبُ إِلَيْنا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، ولكن استجابة الدعاء تقترن بالايمان «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي» لا يكفي تلاوة الدعاء فقط، لأنها خطوة أولى لتذكيرنا بكيفية تطوير الذات من خلال استجابتنا لدعواته وإدراك محتويات الكتب السماوية، خطوة تتبعها خطوات عملية لتنفيذ مفاهيمها بالحياة، فالإيمان بالله يتحقق عند تطابق تصرفاتنا وأخلاقنا مع النصوص المقدسة.

الإيمان ليس عنوانا يُختم على الجبين أو لقبا نتباهى به، انه بذل الجهد لتطوير الذات والتقيد بالصفات الإنسانية والالتزام بالقوانين والتشريعات الأخلاقية الواردة بالكتب السماوية وانعكاسها على أخلاقنا وتصرفاتنا ومحاولة تحسينها وتطويرها للأفضل حتى يكون يومنا أفضل من الأمس والغد أفضل وأفضل، وهكذا تباعا لأن فضل الإِنسان في الخدمة والكمال لا في الزينة والثروة والمال.. لذا تكمن أهمية الدعاء بمدى عمق تأثيراتها الإيجابية بالنفوس وتنفيذ معاني الكلمات الثمينة.

التخلق بالصفات الربانية مثل التسامح والصبر على الإساءة يتطلب بذل الجهد، وتكرر «وبشر الصابرين»، «الله يحب الصابرين» بالقرآن الكريم مرات دلالة على أهمية الصبر وأن المحبة الإلهية تتزايد عندما يتحلى المرء بالصبر الذي يتطلب بدوره قدرا من الشجاعة وعزيمته للتحكم بالذات، بينما الكرم والجود يتطلب التخلي عن مُتعلقاتنا المادية لمساعدة المُحتاجين، أما الصدق والأمانة وغيرهما من المناقب فحدث ولا حرج، وقد منحنا الباري مثالا عن الحكمة وحسن التصرف عند دعوة الخلق إليه «ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» وأمرنا بمُناظرة الآخرين بالرفق والوجه الحسن واللين وحسن الخطاب والبسمة تعلو الشفاه، وجميعها تصرفات تفتح أبواب القلوب وتُقرب النفوس وتنشر المحبة والطمأنينة، ومنحنا مثالا تاريخيا قيّما عندما أمر موسى عليه السلام بمُخاطبة فرعون باللين رغم طغيانه وكفره «فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى» انه المنهج القويم الذي يُقرب الناس وينشر المحبة والوداد ويُحقق الوحدة والاتحاد.

عرفان أمين

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking