كتب الشاعر والكاتب الكبير عباس محمود العقاد مقالاً نقدياً بعنوان «دواوين شعرية»، نشره في عدد جريدة الجهاد بتاريخ ١٩٣٤/٦/١٢، انتقد فيه ديوان الشاعر العذب الدكتور إبراهيم ناجي المسمى «وراء الغمام»، واتهمه فيه بأنه انتزع منه بعض المعاني وأخذ يسوق الأدلة على ذلك، وقد تدخل في هذه المعركة الأدبية الأديب محمود حسن إسماعيل، الذي كتب مقالاً ونشره في مجلة أبولو بتاريخ ١٩٣٤/١٢/١، انتقد فيه العقاد ورد على مزاعمه بأن إبراهيم ناجي انتزع منه بعض المعاني مثل قوله:

مر الظلام وأنت ملء جفوني

ودنا الصباح ولم أزل مشغولاً…

وأن هذا المعنى أُخذ من قول العقاد:

فإذا صحوت فأنت أول خاطر…

وإذا غفا جفني فأنت الآخر…

فرد الأديب محمود حسن إسماعيل على اتهام العقاد لإبراهيم ناجي باتّهام العقاد بأنه هو الذي انتزع هذا المعنى من قول البارودي في قصيدته في رثاء زوجته التي قال فيها:

فإذا صحوت فأنت أول ذكرتي…

وإذا غفوت فأنت أول زادي…!

وأخذ يسوق الأدلة على تحامل العقاد على إبراهيم ناجي.

وكم تمنيت لو أني التقي بالأديب محمود حسن إسماعيل الذي حال موته بيني وبين أمنيتي…لأقول له إن الباردوي، الذي اتهمت به العقاد، هو ذاته قد اتُّهم ببعض أبياته كقوله:

علي طلاب العز من مستقره…

ولا ذنب لي إن حاربتني المطالب…

بأنه أخذه من قول أبي فراس الحمداني:

علي طلاب العز من مستقره…

ولا ذنب لي إن حاربتني المقادر!

وأبو فراس الحمداني اتّهم بأنه أخذ بعض المعاني ممن سبقوه وعاصروه من الشعراء.. والمتنبي اتُّهم وأبو تمام اتُّهم وشاعر المعلقات زهير بن أبي سلمى اتُّهم.. وزميله طرفة بن العبد بأنه سطا بقوله:

وقوفا بها صحبي علي مطيّهم…

يقولون لا تهلك أسى وتجلّدِ…

على قول امرئ القيس:

وقوفاً بها صحبي علي مطيّهم…

يقولون لا تهلك أسى وتجمّلِ!

وكذلك قول الجواهري:

ومستنكر شيبي قبيل أوانه…

أقول له هذا غبار الوقائع!

مأخوذ من قول ابن العميد:

قالَتْ: كَبرْتَ وشِبتَ، قلتُ لها:

هذا غُبارُ وقَائِعِ الدّهرِ!

فلا يكاد يسلم شاعر كبير من تهمة انتحال المعاني من غيره…فهذه المشكلة مشكلة أزلية قال عنها القاضي الجرجاني بأنها: «داء قديم وعيب عتيق»، وقال عنها الآمدي: «باب ما يعرى منه أحد من الشعراء إلا القليل»، وقال عنها ابن رشيق: «باب متسع جداً لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه».

فهي مشكلة ليست مقصورة على أمة دون أمة أو شعب دون شعب.. فقد نوّه أرسطو في كتابه فن الشعر إلى وجود السرقات عند شعراء الإغريق، ومن أروع الذين تكلموا عن هذه المشكلة الدكتور محمد مصطفى هدّارة في كتابه «مشكلة السرقات في النقد العربي» المطبوع عام ١٩٥٨م.. وساق فيه الكثير من الأدلة وزعزع به الثقة بكل الشعراء تقريبا، وأثبت أن الإبداع في هذا المجال واختيار المعاني الجديدة أمر في غاية الصعوبة.. وعندما سئل الأديب الراحل سعيد كرمي عن تطابق أبيات شاعر لاحق لشاعر سابق قال:

التشابه في أقوال الشعراء معنى ولفظا مردّه شيئان: السرقة أو توارد الخواطر، وقد بحث العرب في هذين الشيئين وخرجوا بأقوال متناقضة، ولكن الشعراء في كل دور اعتادوا أن يستعملوا بعض العبارات الثابتة.. ولذلك كانوا يكررونها في أشعارهم كما هو معروف في شعر الجاهلية وغيرهم!

وهناك نوع آخر من السرقات الشعرية وهو تحويل الشعر الفصيح إلى شعبي كقول القائل:

الناس تسهر تختصم في شرايدك…

وينام جفنك ما درى عن شريدك!

مأخوذ من قول المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها…

ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ!

وللشعراء حيل في السطو على المعاني يقف المرء عاجزا أمام تحليلها!

عبدالكريم دوخي المجهول

@ a_do5y

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking