نهجٌ جديدٌ؟ كمٌ هائل من التفاؤل كلما قرعت هذه الجملة مسامع المواطنين المتعطشين لذلك الجديد، خصوصًا ونحن نعيش لحظات حسم تشكيل أول حكومة جديدة لسمو الشيخ صباح الخالد المتوقع إعلانها اليوم.

ذلك النهج الجديد الذي من المؤكد أنه يشمل إصلاح الاقتصاد، وجميع البُنى الاجتماعية والاقتصادية والمالية والتعليمية والصحيّة والعلمية، بما فيها الإعلامية.. لأهمية الإعلام في عالمنا المعاصر، وعندما نسمع كبار صناع القرار في العالم يصفون وسائل الإعلام بأنها السلاح الأقوى على وجه الأرض، فإنهم بكل تأكيد لا يقصدون إعلامًا يشبه وكالة الأنباء الكويتية (كونا) التي تملك طاقمًا من 400 موظف، ولا يزال موقعها الإلكتروني يعمل على الفحم الحجري، أو كعربة قديمة تطلّ علينا من القرون والوسطى، حيث لا تحديث، ولا عصرنة في تناول موضوعات البلد الحساسة، ولا هم يحزنون.

وعلى الأرجح، لا يقصدون الحسابات الوهمية في «تويتر» التي تحبها الحكومة، وتسرّب من خلالها أخبارها وتختبر بها تفاعل الجمهور.. وقطعاً لا علاقة بكلّ النظريات الإعلامية التي كتبها المفكرون بما آلت إليه أوضاع تلفزيون الكويت، الذي يعيش حتى الآن على كلاسيكيات الثمانينيات والتسعينيات، بلا هدف واضح أو بوصلة سياسية محددة.

لقد آن الأوان لأن تفكر الحكومة بنضج أكبر، وأن ترى الإعلام على هيئته الحقيقية، وأن تأتي بجهاز إعلامي أجنبي احترافي وضخم يوازي وعودها الاقتصادية الحالمة بالمركز المالي والتجاري.. وأن تفكر باستقطاب وكالة أنباء عالمية بحجم «بلومبيرغ» مثلاً، حتى تدير خطابها الإعلامي، وتبثه للمتلقيَينِ الكويتي والعالمي، بشكل محترف وعلى مستوى عالٍ من المصداقية، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية المحدقة بالبلاد، مثل: الإصلاح المالي الذي يتطلب إنفاقًا منتجًا وإيرادًا مستدامًا، وتسريع التنمية وتصحيح أخطائها بحيث تتحول إلى واقع ينعكس على حياة المواطنين رفاهيةً ومجتمع الأعمال ازدهاراً، وخلق فرص عمل للخريجين الجدد القادمين بعشرات الآلاف ولا يجدون اليوم ضالتهم إلا في الوظيفة الحكومية التي باتت مقبرة لأحلامهم، وتحديد دور اقتصادي للكويت في الإقليم والعالم.

كل تلك التحديات التي تقع على عاتق الحكومة الجديدة، بحاجة إلى إقناع المواطن بأهميتها، وجعله عنصرًا فعالاً مشاركًا فيها، وهذا ما فشلت به الحكومة في خطابها الإعلامي على مدى العقود السابقة، والذي يجبرها على التفكير جديًا بالاستعانة بوكالة أنباء عالمية، وخبرات محترفة تستطيع من خلالها مخاطبة المواطنين بشكل مدروس ومحكم.

لا نريد فتح المزيد من جراح قديمة، مثل «الحكومة مستاءة من الفساد»، أو «السكين وصل للعظم»، أو حتى «الموس فوق الروس».. فجميعها أخطاء حكومية إعلامية فادحة، بل مخجلة، جاءت في لحظة حماس وبشكل عشوائي، وكأننا نتحدث عن حماس جمهورِ مدرَّجٍ يتحدث على سجيته، وليس جهازًا حكوميًا يدير بلدًا يحلم بأن يكون مركزًا ماليًا وتجاريًا.

تلك الأخطاء الإعلامية التي جعلت المواطن يثور، بل يكفر بالخطط الحكومية في مواجهة الفساد، وكأنما صار نداً لها.. فلو كان لدى الحكومة الكويتية خبرات إعلامية عالمية على مستوى «بلومبيرغ» - التي استطاعت السعودية استقطابها بذكاء دعمًا لنهجها الاقتصادي الجديد - تستند إليها إعلاميًا بنشر أخبارها وإعداد برامج تحليلية مناسبة، لما وقعت حكومتنا في هذه الحفر الإعلامية، ولكسبت حتمًا شيئًا من ثقة المواطن، تلك الثقة التي اهتزت، بل انعدمت في السنوات الأخيرة.

وبالحديث عن تجربة المملكة العربية السعودية الشقيقة، لا يسعنا إلا أن نذكر نجاح الخطاب الاقتصادي لدولة الإمارات الشقيقة أيضًا، التي استطاعات بشكل منظم ومحترف، نشر نجاحاتها الاقتصادية في كبرى وسائل الإعلام العالمية، مثل الـ«سي ان ان»، أو الـ«بي بي سي»، وغيرهما.. بعد أن استثمرت واستعانت بكبار المستشارين والمحترفين الأجانب في مجال الإعلام، والتي أسهمت، وبقوة في تقدمها في المؤشرات الدولية والتصنيفات العالمية المتخصصة.. على حين أن حكوماتنا بذلت المستحيل من أجل تحسين مؤشراتها الاقتصادية، ولم تحقق إلا تقدمًا طفيفًا في هذا المجال.

إعلامنا الحكومي الراهن لا يمكن أن نطلق عليه «سلطة» أصلاً.. لا رابعة ولا سابعة.. لأنه يفتقد الحدّ الأدنى من وسائل السلطة في التأثير والتغيير والتوضيح والإقناع، وإن أراد سمو الرئيس أن يبرهن للمواطن والعالم، بأنه عازم على المضي في هذا العهد الجديد، فعليه أولاً إعادة النظر في خطابه الإعلامي، والاستعانة بخبرات عالمية ودمجها بطاقات كويتية شابة، بعد أن فقد المواطنون الثقة بكل ما هو حكومي.

القبس



تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking