في كل مرة يواجه فيها البلد مأزقاً سياسياً أو اقتصادياً، أو حتى مشكلة مرور أو خللاً في مرفق ما، نجد من يصيح مطالباً بإغلاق مجلس الأمة، يقيناً منه بأن كل ما يعاني منه البلد من أزمات وعثرات مصدره مجلس الأمة!

قد نتفق مع هؤلاء في أن هنالك تراجعاً في أداء المجلس، وأن هنالك أيضاً تهميشاً ربما متعمداً لدور المجلس كمؤسسة تشريعية، وهو بالمناسبة ليس أمراً مستجداً، فلطالما كانت هنالك أطراف ترى في الدستور والحياة البرلمانية والنهج الديموقراطي بشكل عام خطأً تاريخياً يستوجب مقاومته.. وقد رأينا من مثل هذه المحاولات الكثير، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، لتهميش دور المؤسسة التشريعية، وتفريغ الدستور من جوهره؛ إمّا من خلال العبث بقوانين الانتخابات، أو من خلال الزج بعناصر سيئة ومهرّجة لتشويه صورة ممثلي الشعب.

لكن ما نختلف فيه مع هؤلاء، الذين يقولون بعدم جدوى وجود مجلس أمة، ان حفاظنا على مؤسساتنا القائمة، بما فيها مؤسسة مجلس الأمة، إنما هو حفاظ على كياننا كدولة وليس كمجتمع بدائي قائم على أسس المصاهرة والعلاقة الاجتماعية كحال مثل هذه المجتمعات.

تقوم الدولة، أي دولة، على ثلاثة أضلع: أولها الشعب الذي يشكل مجموعة المواطنين والمقيمين على أرض ما، وثاني الأضلع هو الأرض التي تشكل حدود الدولة، ثم تأتي السلطة السياسية كثالث الأضلع، والتي تعني خضوع فئات المجتمع لقوانين ونظم تراقب وتنسق الأداء فوق هذه الأرض وبين أبناء هذا الشعب.

لقد حرصت الكويت، ومنذ فجر الاستقلال، على بناء دولة ترتكز على مؤسسات فاعلة، وتم اعتماد دستور الدولة كعقد لتنظيم العمل المؤسسي في البلد.. وبحيث تمارس كل مؤسسة عملها باستقلالية وفقاً لما صاغته القوانين وما ورد في دستور الدولة، فبالإضافة إلى المؤسسة التشريعية الممثلة في مجلس الأمة والسلطتين التنفيذية والقضائية، يأتي تاريخ الكويت الحديث ثرياً بمؤسسات طالما شكلت إضافة إلى شكل الكويت كدولة حديثة، نذكر منها الهيئة العامة لشؤون القصر، وديوان المحاسبة، والمجلس الوطني للثقافة والفنون، والهيئة العامة للمعلومات المدنية.. وغيرها الكثير.

هنالك شوائب كثيرة في أداء مجلس الأمة، لكن القول بعدم أهميته هو قول ساذج.. وللمقارنة هنا دعونا نتخيل لو أن خللاً أصاب المؤسسة التعليمية بحيث أصبحت مخرجاتها محبطة وغير مجدية فهل يعني ذلك أن علينا إلغاء النظام المدرسي بأكمله أم أن الأمر هنا يجب أن يكون عكسياً.. بمعنى محاولة إصلاح المدرسة من الداخل وليس إلغاءها أو إقفالها؟!

ميشيل كروزييه عالم اجتماع ذو نظرة علمية متفحصة للمنظمات وعمليات التنظيم الإداري، ذكر في كتاب له صدر في السبعينيات أنه «لا يمكن بناء المجتمع بقرار»! وإنما من خلال احتواء المحيط الثقافي والبنيوي التنظيمي للمجتمع ضمن إطار مؤسسي قائم على القانون.

أقول لمن يشكك في جدوى «مجلس الأمة» إنه كان السلاح الأول الذي حملته الكويت إبان الاحتلال.. وأقنعت العالم بحقها في الحرية.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking