ربما شاءت الأقدار خلال العشر سنوات الماضية، أن أرى زوايا العمل السياسي من وجهات نظر مختلفة، وأن اختلط بفرق سياسية متنوعة، وذلك لظروف مهنتي في العمل الصحفي، التي تفتح آفاقا هائلة، تجعلك تسمع جميع وجهات النظر، خاصة تلك التي تقال خلف الكواليس، والغرف المغلقة.

من بلاء الله علي - اللهم لا اعتراض- .. انني كنت في خضم أخطر معركة سياسية في تاريخ الكويت: عالقاً بمنتصف ما يسمى بـ «بلاغ الكويت»، بلاغ الإفك والفتنة، وأنا أرى الفريقين، يتخاصمان في معركة طاحنة، لم تكن لها بوادر نهاية يحمد عقباها.

انني أتحدث عن تفاصيل بدايات تلك المعركة الدامية، قبل أن تخرج بوجهها الكامل إلى الجمهور، فقد كنت أصم الآذان، وأحاول اكمال المسير، لأني كنت أملك علاقة متينة وطيبة مع الطرفين، وهما «أبخص» بمصالحهما: هكذا شعرت.. قبل أن أسمع تلك الجملة التي استوقفتني كثيراً: «وجود مرزوق الغانم على كرسي الرئاسة أشد غدراً علينا من الغزو العراقي!»

لقد سمعتها بشكل عرضي، ومفاجئ.. من أحد رؤوس فدائيي «بلاغ الكويت»، ولا أذكر كيف اختلج علي شعور الضحك، والسخط، والأسى، والاشمئزاز.. من ذلك التشبيه القبيح الذي أُسقط على خلاف سياسي، فاز به الرئيس الغانم عبر قنواته الدستورية، فأتوا خصومه، بكل ما عرفت الهمجية من معنى، وأشعلوا الأخضر واليابس، وقفزوا كالعصابة أفواجاً فوق أسوار الدولة المدنية، متسلحين بأدوات البلطجة، وسطوة المشيخة، والفوقية، والانحدار بالمستوى، وأخذ الاعتبار بقوة اليد، والتشهير، والاساءة للأهل، وزرع الفتنة، وصناعة أشرطة مفبركة، وربما حرق البلد.

كان تلك جملة «الغزو العراقي» مفترق طرق لقناعاتي التي تغيرت، وعرفت وقتئذ ان الأمر لا يتعدى أكثر من «سيكولوجية» عدم قبول الأمر الواقع، ومفرزات الانتخابات، ونتائجها، فأمامنا رئيس قوي، وشاب، ونشط.. يعمل ليل نهار: يُعزي، يبارك في العروس، ويحضر الندوات، يشجع في المباريات، يدير الجلسات، يحتوي المعارضين، ويحلق بين قادة دول الخليج، ويملك علاقة أبوية رائعة مع القيادة السياسية.. فلا نفع معه اليوم سوى الخروج عن المألوف، واستخدام الأساليب الهمجية لعلها تجدي نفعاً!

اليوم.. وبعد مرور سنوات على «بلطجة» بلاغ الكويت، انعكست تلك الممارسة الدخيلة على شريحة كبيرة في مجتمعنا، إننا نمر في مرحلة أزمة أخلاق، بدأت تدب في دماء مجتمعنا الذي كان طيباً، وقد أصبح الآن لا يطيق الآخر، ولا يتورع أن يخرج عن المألوف والأعراف والوثب على القانون، لأخذ ما يظنه حقاً له، ولعل آخرها اعتداء المقبرة المشين.

نعم «مرزوق الغانم» ليس سهلاً، إنما شرس، وذكي، وعنيف، في مواجهاته، لكنه لا يخرج عن فروسية الأخلاق في الخلاف.. والأهم: ما هو سبب هذا الخلاف أصلاً؟! فحسب فهمي لدولة المؤسسات، ان المعيار الأول في تقييم قياديي البلد: هو الفساد! ولا أتذكر أن مواطنا كويتياً استطاع اثبات نصف شبهة فساد على الرئيس الغانم.. ولو استطاع الخصوم أن يجدوا طرف خيط لأي شبهة فساد على الغانم، لأقاموا الدنيا بما فيها هرجاً ومرجاً، دون الحاجة إلى ذبابهم الإلكتروني، والافتراء، والطعن بالاشراف.

محشوم يا «بوعلي».. نقولها مليون مرة، ليس فقط على حادث المقبرة المشين، إنما على كل تلك الإساءات السابقة، وللأذناب الذين استغلوا اعتداء المقبرة، وأفرغوا غِلَّهم في وسائل التواصل.. فقد أتيت إلى البرلمان بأصوات الشعب، وفزت بالرئاسة بأصوات ممثلي الشعب: باسم الدستور الذي ينظم دولة المؤسسات التي نفخر بها، وقد دخلتها نظيف اليد، طاهر الثوب، وستبقى هكذا ما حييت.. وهذا ما أوجعهم.

وتالله اني أرى فيك ما كنت أراه في «خالك» الحبيب، فقيد الكويت رحمه الله، وأنت تمتص لأجل الوطن، تلك الضغوطات الهائلة التي تتعرض لها على مدار الساعة.. انه التعب والأذى الذي أتى: على حساب أسرتك، ودمك، وصحتك، وسعادتك.. والأهم تلك المسؤولية المعقدة الملقاة على عاتقك في ظرف سياسي حساس ودقيق، تمر به البلد.

وكما اني أشهد أمام الله، كيف تساميت بأخلاقك الرفيعة عن ذلك الابتذال والابتزاز الذي يُمارس عليك في «وسائل التواصل» ضد مواقفك السياسية التي لا تحيد عنها: فتلك أخلاق رجال الدولة التي نفتقدها في وقتنا الراهن.

أيها السيدات والسادة.. إن الانتخابات البرلمانية أوشكت على الأبواب، وقد تأتي على حين غفلة، فلنفرغ شحنات خلافاتنا في قلب صناديق الاقتراع.. ودعونا ننأى بمناسباتنا الاجتماعية بعيداً، ونقف بحزم ضد هذه الممارسات الدخيلة، حتى لا نكون عرضة لها نحن أو ابناءنا في المستقبل.. ولنبقي القدسية، والاحترام، والمحبة، على ما تبقى من عبق عادات وأخلاق بلدة طيبة اسمها: الكويت.. فمان الله!

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات