آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

289

إصابة مؤكدة

0

وفيات

73

شفاء تام

أحمد الصراف

أحمد الصراف

مهاب نصر -

واحدة من أشد ظواهر المجتمع العربي المعاصر قسوة، والمصاحبة لـما سمي بـ«الربيع العربي» ولأشكال التمرد والاحتراب والقمع.. كانت الهجرات وحالات النزوح القسري غير المسبوقة إلى دول أوروبا والشمال عموماً، بحثاً عن الأمان ونجاة بالحياة من دمار محقق. لكن الهجرات العربية إلى دول الغرب الأوروبي وأميركا على وجه الخصوص، لم تكن أمراً جديداً تماماً، فانغلاق المجتمعات العربية إما بسبب الحاجة الاقتصادية أو الاضطهاد الاجتماعي أو التخلف، كان حافزاً حتى إبان القرن الماضي على مغادرة الأوطان بحثاً عن الحلم، خصوصاً الحلم «الأميركي». في روايته الجديدة «72 ساعة في حياة برهان» يتعرض الكاتب الزميل أحمد الصراف لحياة مهاجر سوري، كره تقاليد الحياة العادية الرتيبة، وغامر مع زوجته بالرحيل باتجاه الحلم الأميركي. إنها رحلة تكمل لنا الوجه الآخر من مآزق مجتمعاتنا، بعد أن كشف الصراف في روايته الأولى جانبا آخر ورحلة عكسية، رحلة عبداللطيف الأرمني، في روايته «عبداللطيف الأرمني والتفاحات الثلاث»، ابن الأقلية المضطهدة، والذي يبحث عن حلمه في الداخل العربي؛ مرة في العراق، وتاليا في الكويت بعد ظهور النفط.

رواية الصراف الجديدة هي استئناف إذن من نوع ما، ومرآة من الداخل والخارج. تنتمي الرواية إلى ما يسمى بـ«رواية التعلم»، حيث تختلف مواقف الأبطال في نهايتها عن مواقعهم في بدايتها، وحيث تتدخل الخبرة الشخصية لتصحح الأوهام وتبني معرفة جديدة بشركائنا في الحياة وتفاجئنا بما لم نعرفه عنهم.

بداية ونهاية

تبدأ الرواية بمشهد عزاء، وتختتم باعتراف مطول من «المتوفى» الذي ترك لزوجته إرثا غريبا؛ صندوقا يحوي رسالة مطولة وبضع مئات من الدولارات وأشياء أخرى هي كل ما تبقى من رحلته العبثية ظاهريا، لكن المثمرة على مستوى الخبرة والوعي. وهكذا يُستأنف السرد بشكل عكسي. وبينما يبدو للوهلة الأولى أن الرواية تلقي بظلال قاتمة على ما يسمى بـ«الحلم الأميركي»، وعلى دوافع الهجرة بحثا عن خلاص وبداية جديدة تكلل بعودة مهزومة، إلا أن قراءة أكثر تمعنا تظهر الجانب المهم من فكرة الرحلة، حتى لو لاحقها الإخفاق، إنها الخبرة المدفوعة الثمن، والمعرفة بالذات والآخر التي ما كان لها أن تتحقق لولا الشغف بالتجربة والبحث عن حياة مغايرة.

خارج التقاليد

يعيش برهان حياة مضطربة، وتبدو قراراته أحيانا غير منسجمة مع آرائه. فحبه للحرية ونبذه للتقاليد والعادات لا يمنعانه من الزواج، بل من الحياة في كنف بيت عائلة زوجته. ونفهم في ما بعد جانبا من أسباب اضطراب شخصيته من خلال اعترافه بما وقع له في صباه من اعتداء وانتهاك جنسي.

لا يلبث برهان أن يشعر بالضيق من الزيارات العائلية، ومن الروتين اليومي في مجتمع ساكن. يهاجر برهان وزوجته، ويبدو أن معالم حياة أفضل ترتسم في أفقيهما.

إن برهان شخص حالم بقدرٍ ما، وتشغله الكتب والأفكار عن زوجته، ويبادر بقرارات غير مفهومة بالنسبة إليها كقرار تخليه المفاجئ عن وظيفته بعد أن كانت أوضاعه هو وزوجته قد استقرت في المهجر. تتطور حياة برهان بسرعة، أو تنحدر بتعبير آخر، بعد أن يلجأ إلى حياة التشرد، وكأنه وجد في التشرد ملجأ شاعريا حالما من المجتمع الأميركي الذي تبدى أمام ناظريه مجتمعا استهلاكيا فظا.. يقول الراوي: «كانوا يعتقدون، كغيرهم أن أميركا هي جنة على الأرض، وأن الوصول لها غاية يجب أن تدرك، وهدف تهون الصعاب في الوصول له.. ولكن ما إن تطأ أقدام هؤلاء أرض الأحلام حتى يتبين لهم أن أميركا الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والحبكات الروائية شيء والواقع شيء آخر».

إن قرار تشرد برهان تتدخل فيه عوامل عدة: رغبته في التحرر من القيود والالتزامات، الحياة بلا مسؤوليات ولا أصدقاء «كنت أرغب في أن أعيش اللحظة ولا أعبأ بما سيأتي به الغد، أو حتى في الدقيقة التالية».

صديق التشرد

لكن تشرد برهان يتخذ طابعا مختلفا وأكثر جذرية حين يعثر على زميل تشرده «مايكل» ذي الأصول الافريقية، الذي كان أول من لاحظ الميول الأدبية لبرهان. وهنا يطلعنا الراوي على جانب من حياة المهمشين في المجتمع الأميركي، مجتمع الاستهلاك الذي لا يرحم.

إن اعترافات برهان تضعنا أمام التساؤل: أكانت رحلته إلى أرض الحلم رحلة خاسرة أم لا؟ فالاعترافات تعني أولا نوعا من الالتزام الأخلاقي تجاه زوجته، وتعني أيضا قدرة على التجرد، حيث لن تقرأ الزوجة هذه الاعترافات إلا بعد رحيله، وثالثا هي ترسيخ أدبي لخلاصة خبرته، ونقاط تحول في الشخصية وإدراكها لنفسها وموقعها من العالم، خاصة بعد أن يتورط برهان، أو يجمح به الفضول والرغبة إلى حلبة المراهنات في نوادي المدينة الشهيرة لاس فيغاس.

تذكرنا بعض أوراق اعترافات برهان حول تفاصيل ألعاب القمار وطبيعة الشخص المقامر، ومناخ التآمر المحيط بهذا العالم برواية دوستويفسكي الشهيرة «المقامر»، غير أن برهان لا يدفعه في البداية الكسب أو الغنيمة وإنما الخسارة، وهو ما ينتهي إليه فعلا بعد أن يربح في البداية مبلغا طائلا. يكتب برهان في ختام اعترافه «قررت ترك أميركا والعودة للوطن الذي ولدت فيه، واتصلت بزوجتي التي سبق أن هجرتها لسنوات، وأعدت علاقتي بها وربحت وخسرت ما يقارب المليون دولار، وكل ذلك حدث خلال 72 ساعة». يذكر أن الرواية صدرت عن دار ذات السلاسل.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking