ليست هناك دلائل على أن انتفاضة الشعب العراقي التي تحولت إلى ثورة ستنتهي عن قريب، خصوصاً أن مطالبها تتجاوز استبدال رئيس وزراء آخر بعادل عبد المهدي، وإن كان هناك حدث في التاريخ العراقي يمكن مقارنته بها فهو ثورة العشرين التي عمت العراق، خصوصاً جنوب ووسط العراق بعد سنوات قليلة من الاحتلال البريطاني الذي بدأ في 1914 واستكمل في 1918.

فقد اندلعت ثورة العشرين في مايو 1920، وقد بدأت على شكل تظاهرات في بغداد وبعض المدن ثم تحولت إلى قتال بين الثوار والقوات البريطانية في وسط وجنوب العراق. هذا وكان من نتائج هذه الثورة أن بدأ البريطانيون النظر بجدية في استقلال العراق. فقد عقد مؤتمر القاهرة مباشرة بعد الثورة، وأدى إلى أن أمر المندوب البريطاني – بيرسي كوكس – بتشكيل مجلس تأسيسي للبحث عن حلول لعودة الاستقرار إلى العراق. وكان من ضمن مهام المجلس التأسيسي تشكيل حكومة عراقية. وقد شكلت هذه الحكومة برئاسة نقيب أشراف بغداد عبد الرحمن النقيب الكيلاني، وكان من مهامها اختيار ملك العراق، فاختارت فيصل بن الحسين ملكاً، والذي جرى تنصيبه في عام 1921، لكن العراق ظل تحت الانتداب البريطاني حتى 1932 عندما نال استقلاله كاملاً.

وتتشابه الثورة الحالية في العراق مع ثورة العشرين من حيث ان الاثنتين اندلعتا بعد عملية احتلال أجنبي. كما ان الاثنتين تهدفان إلى تأسيس نظام سياسي جديد. وتتشابهان من حيث أماكن انطلاق الثورة، وموقف المرجعية الشيعية المؤيد لهما. ولعل ما يميز الثورة الحالية أنها اندلعت بسبب يأس الأغلبية من الشعب العراقي من تحسين الخدمات العامة وأحوالها الاقتصادية تحت ظل هذا النظام الذي تم تأسيسه بعد الاحتلال الأميركي للعراق. فقد كان ينظر إلى أن الشيعة قد ظلموا من نتائج تأسيس الدولة العراقية في عام 1921، ثم بعد أن تخلصت من الانتداب عام 1932. فقد كان معظم رؤساء الوزارات وقادة الجيش يأتون من مناطق سنية. لذا، فقد رأى الشيعة أن هذه الدولة التي أسست بعد احتلال العراق عام 2003، وأعطت الشيعة المراكز القيادية في الدولة، بأنها ستنصف الشيعة في النهاية. وستقوم بدور كبير في تنمية ونهضة المناطق الجنوبية. إلا أن الشعب خاصة الشيعة منهم اكتشفوا أن الفقر قد زاد والخدمات الصحية والتعليمية تدهورت، بينما تدفقت الأموال على قيادات الأحزاب الشيعية. لذا، رفض الثوار أي تعاون أو تنسيق مع أي من الأحزاب الشيعية بما في ذلك «سائرون» الذي يقوده مقتدى الصدر. فقد تخلى الشارع عنه كونه ممثلاً في مجلس النواب ومجلس الوزراء.

وقد نتج عن هذه الثورة أن انهارت أو ضعفت معها الأطر التي بني عليها النظام السياسي بعد دستور 2005، فقد اكتشف العراقيون أن هذا الدستور لا يوزع الثروة بين الشعب على أسس طائفية، وإنما يوزعها على قادة الأحزاب الطائفية. وهناك دوائر تراتبية تحيط بقائد الحزب تتناقص منافعها بقدر بعدها عن مركز الدائرة.

وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الثورة جعلت من أهدافها التخلص من النفوذ الإيراني. لذا، أحرقت هذه الجماهير قنصلية إيران في النجف ثلاث مرات. ومن المخزي أنه بعد كل هذه التضحيات الداعية لخروج إيران من العراق، يدخل قاسم سليماني إلى العراق برفقة 520 من أفراد الحرس الثوري. وبعد كل هذا الدمار وهذه التضحيات سيعين قاسم سليماني رئيس الوزراء للمرحلة القادمة.

لا شك في أن العراقيين الشيعة مصدومون من الوضع المعاشي الذي يعيشونه، فهم مثقلون وغارقون في بحر من العزاءات والأحزان التي تحاول أن تنسيهم آلامهم الحالية، والذي يقوم بعض رجال الدين بزرعه في الوعي كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة. فالعراقيون يلطمون والإيرانيون ينتجون. فهذا الذي نراه ما هو إلا ثورة المضطهدين الشيعة على المستغلين الشيعة من حكام ورجال دين.

وأخيراً، كان لثورة العشرين تأثير كبير على تطور الدولة. فمن نتائجها أن تحول العراق من الاحتلال البريطاني إلى الانتداب في 1921، ثم حصل على استقلاله الكامل عام 1932. فماذا سيكون تأثير ثورة 2019؟ وهل ستحيي هذه الثورة ضمائر ممثليه في مجلس النواب؟

د. حامد الحمود

Hamed.alajlan@gmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات