آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

52007

إصابة مؤكدة

379

وفيات

42108

شفاء تام

مريضة: أرتِّل القرآن لتهدئة زميلاتي

د. خلود البارون -

ساهمت السينما والتلفاز في تصوير مشهد الدخول إلى مستشفى الأمراض النفسية (المعروف باسم مستشفى المجانين)، بأنه أشبه بفيلم رعب يحتوي على الصراخ والركل، وغالباً ما ينتهي بوخز إبرة مهدئة، لكنني فوجئت عند دخولي إلى الجناح العمومي في هذا المستشفى بأن الهدوء هو الطابع الغالب على المريضات، وسبب دخولي هو لقاء شخصية معروفة ومثقفة ومحبوبة اجتماعيا، سأسميها «بطلة قصتي».

كنت أعتقد أنها ضحية تم تزوير مرضها وإرغامها على الحضور، لكن إجاباتها صدمتني، فقد قالت وهي تبكي: «حضرت بنفسي إلى المستشفى، وركبت تاكسي من أمام مقر عملي، ولم أرد أن أقود سيارتي الفارهة إلى هذا المستشفى، فقد تحدثت هاتفياً مع استشاري معروف في الطب، وأعلمته أنني وصلت إلى حافة الهاوية، عانيت لعدة سنوات من تدهور حالتي النفسية، ولا أستطيع أن أفكر إلا في حلين: إما أن يعطيني طبيبي رخصة شرعية تبيح لي قتل نفسي، وإما أن يهاتف طبيباً في الطب النفسي ليدخلني بكل هدوء إلى مستشفى الأمراض النفسية.

كنت خائفة من دخول جناح المستشفى، خائفة من رؤية ومعاشرة المجانين، لكن فور دخولي، سألتني ممرضة استقبال الجناح العمومي بالإنكليزية: هل قمت بتسليم نفسك؟ فأجبت: نعم.

فعلقت مريضة تستمع إلى الحديث: هل أنت مجنونة، هل هناك عاقل يسلم نفسه؟ تساءلت: هل هذه المجنونة لديها عقل حتى تفهم الإنكليزية، وهل أنا مجنونة فعلا؟ سكت، فجاءت إلي المريضة، لتضيف: أنا أحاول يومياً أن أخرج من هذا المستشفى وأهلي يرفضون استقبالي، وأنت تسلمين نفسك! هل طار عقلك؟ هل أنت مدمنة مخدرات؟ وتساءلت: من المجنون: أنا أم هي؟».

لم يمنع لبس العباءة؟

نظرت إلى من حولي، الكل يبدو طبيعيا، فيما عدا نظرات تتلفت شمالا ويمينا بشكل مريب، لفت انتباهي قاعدة «ممنوع خلع العباءة»، كما يمنع لبس المريضات للعباءة أيضا، وعند السؤال عن السبب، أجابت ممرضة قائلة: «في السابق، غافلت مريضة إحدى الزائرات عندما خلعت عباءتها وتركتها على كرسي حتى تدخل الحمام، فلبستها المريضة ثم تظاهرت بأنها زائرة وخرجت من الباب وأخذت «تاكسي» ورجعت إلى منزلها. وتساءلت: هل يمكن لمجنون أن يخطط ويتصرف كعاقل حتى يغادر المستشفى ويذهب إلى منزله؟!

أمثلة كثيرة

لفت انتباهي أيضاً مريضة تتحدث الى أخرى، يبدو عليهما القلق، تقول إحداهن: «لم يحضر زوجك؟». وأخرى ترد حزينة: «لم تزرني أختي». ثم تأتي مريضة أخرى لتشير إلى أن زائرتها أعطتها 20 ديناراً، لذا ستطلب للجميع عشاءً من مطعم وجبات سريعة محبوب، فيبتسم الجميع. لا يمكنك إلا أن تتساءل: ما قصتهن؟

وتشرح الممرضة، قائلة: «إحداهن أحضرها زوجها إلى المستشفى لأنها مصابة بمرض نفسي، ثم رحل عنها»، أما الأخرى فتعد من ضعاف الذكاء، وقد أصيبت بصدمة من تعذيب وسوء معاملة زوجها لها، وبعد طلاقها، أحضرتها أختها الى المستشفى لأنها لا تتحمل نفقاتها فهما من فئة «البدون».

أما المريضة الكريمة، فتشير «بطلة قصتي»، إلى أن قصتها هي أكثر قصة أحزتنها، وقالت: «هي مصابة بفرط النشاط وتشتت الانتباه، مما يفسر كثرة حركتها وكلامها وضحكها وحتى تهورها وحنانها»، وقد أكدت لي أن أمها هي سبب دخولها، فوالدتها محافظة ومتدينة وقد خجلت كثيراً وانحرجت أكثر من تصرفاتها، فهي تتصرف كالطفلة المتهورة وغير المؤدبة في التجمعات ولم تفلح دراسياً، لكني أؤكد لك أنها بكامل عقلها، فهي تحافظ على هندامها المرتب وتنظيف أسنانها والصلاة، وتحفظ الأدعية وتقرأ القرآن على أي مريضة حتى تخفف توترها وتبعد عنها الحسد والعين، وقد قرأت أمامي سورة يس كاملة، وكنت أصلح لها بعض الكلمات فأخبرتني بأنها تحفظ القرآن لأن جميع أفراد عائلتها يحفظونه، وسبب نسيانها لبعض الكلمات يرجع، بحسب زعمها، إلى الأدوية التي تتناولها.

كما صادفت مريضة في الحمام، تقف أمام المغسلة وتغسل يدها مرارا وتكرار، هي مصابة بالوسواس القهري، تلتزم الحمام عدة ساعات يومياً لتغسل يدها وتتوضأ عشرات المرات إلى أن تهدأ ثم تخرج من الحمام، ثم تعاود تكرار ذات الطقوس عند كل صلاة.

لم أنت هنا؟

واجهت «بطلتي» بالسؤال الذي جئت من أجله.

قالت: لعدة سنوات وأنا متعبة ومنهكة ولا أشعر بشيء كالمخدرة، وانتظر بفارغ الصبر أن أمرض مرضاً شديداً يعجل وفاتي، بل إني أقدمت على أمور كثيرة لتحفيز إصابتي بالمرض مثل زيادة الوزن وتناول ملاعق من الملح والسكر والدهون، لكن للأسف، لم أمرض، أعرف أني مصابة بمرض الاكتئاب ولكن لا أعرف إن كان سببه الانهاك المسمى بالـ Burn out أو أزمة منتصف العمر أو نتيجة لصدمة نفسية شديدة مررت بها، فقد فقدت أعز ما أملك، فقدت نفسي.

وهل فقدت إيمانك؟

أجابت: «بالعكس، زاد إيماني وقربي من ربي بعد الاكتئاب، منذ سنوات عدة وانا ألتزم بقراءة سورة البقرة ويس والأنعام يوميا، ودعوتي التي لا أنفك أرددها هي «ربي اجعل أفضل أيامي يوم لقياك، ولا تطل علي انتظار هذا اليوم»، المشكلة هي أن كل من حولي نصحني بمتابعة حفظ القرآن وصلاة الليل والاستعاذة من الشيطان، لكن المشكلة هي اني كنت مريضة فعلا والكل ينكر عليّ ذلك، ويستهين بما أمر به، طبعاً لا انكر فوائد القرآن والصلاة والصدقة، لكنها لم تشفني من المرض النفسي، ولم أزدد مع الوقت الا إصرارا على ان دوري في الحياة انتهى واني اجمع الحسنات الى ان أموت قريبا، لكن الموت لم يأت».

ماذا يعني لك الاكتئاب؟

«قد تعتقد أن الاكتئاب يصيب الاشخاص المتشائمين ومن لديهم حساسية مفرطة أو المراهقين حتى، فيعاني المصاب من الكآبة المزمنة وكره الذات والعزلة والأفكار السلبية وفقدان الأمل وقد يصل به الامر الى الانتحار، ولكنك تغفل ان الاكتئاب ليس مرضاً واحداً له اعراض ثابتة، بل هو مرض يتشكل ويتمثل لكل شخص بحسب شخصيته، فكل شخص له «البعبع» الذي يخافه، ولك أن تتخيل أن الاكتئاب يصور لك أكثر الكوابيس خيفة وأشد أنواع الظلمات إلى أن يحتل عقلك ويفقدك السيطرة على أفكارك وأفعالك، وأتمنى من كل قلبي ألا يصاب أي شخص بهذا المرض».

ما أكثر ما يخيفك؟

سألتها: ما أكثر ما يخفيك هنا في المستشفى؟ أجابت مبتسمة: «القمل»، حيث إنه موجود في شعر عدة مريضات، لذا، التزمت بلبس الحجاب حتى أثناء النوم، وأعتزم بعد خروجي غداً من المستشفى أن اشتري وأتبرع بعلاجات للقمل، فالممرضات بحاجة إلى الكثير منه.

الخلاصة

لا يمكن إنكار أهمية الدين وقوة الإيمان في تعزيز الصحة الجسدية والنفسية ووجود معجزات تشفي من أعتى الأمراض، ولكن أيضاً لا يمكن إنكار ضرورة العلاج الطبي، فلا يوجد عاقل يكتفي بعلاج السكري بالدعاء أو السرطان بالقرآن أو الخشونة بالصلاة أو حتى الاكتئاب بالحجامة، والمرض النفسي يظل مرضاً حقيقياً يجب الالتزام بعلاجه شرعاً من باب الحفاظ على النفس.

ومن المهم نشر الوعي بأن المرض النفسي لا علاقة له بضعف الشخصية أو الإيمان، لكنه مرض حقيقي ناتج عن حدوث خلل عصبي- هرموني مع وجود قابلية جينية، ويتطلب علاجه تناول العقاقير وأحياناً الحاجة إلى التدريب النفسي والجلسات السلوكية، وأعتقد أنه من الخطأ أن تتم إهانة مريض نفسي بشبهة أنه ضعيف إيمان أو اتهامه بأنه يتناول عقاقير ستفسد عقله. وعلقت بطلتي «ينظر الكثير إلى المصاب بالاكتئاب باستخفاف، ويعتقدون أن عليه الخروج منه كما يخرج من ثيابه القديمة بل ويستنكرون حاجته إلى العلاج، لكن، رفقاً بالمكتئب، فمثلما لم يختر الإصابة بالمرض، فلا يمكنه اختيار الخروج منه متى ما أراد».

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking