كان لكلمة «الشك» دور حاسم في تقدُّم البشرية، وفي بناء الحضارة الغربية بالذات، التي وضع التساؤل والشك أسسها ومهّد الطريق لتقدّمها، ودفعها الى عدم الركون الى الغيبيات في تفسير الظواهر الكونية والبشرية.

عاش الإنسان بجوار أنهار ووديان وصحارٍ شاسعة، لا يُتخيّل طولها وعرضها، وشاهد الأمطار والرياح العاتية، وخبر الزلازل وسمع الرعود، ومع هذا بقي لمئات آلاف السنين ينظر لها ببلاهة وعجز تماما في تفسير ماهيتها، أو تجنّب شرورها او الاستفادة من خيراتها. وفي الماضي، ولا يزال الأمر كما هو في دول كثيرة، كان لكل قبيلة أو جماعة ساحر او عالم يعطي تفسيرا لكل ظاهرة أو أمر غريب، وفق تصوّره. ولا تزال عملية استفادة البعض من جهل الدهماء سارية وبفعالية كبيرة، وحقق الكثيرون من ورائها الملايين، ومنهم دعاة ورجال الدين، إضافة الى محترفي النصب والاحتيال.

ثم جاء بشر مختلفون آمنوا بفضيلة التساؤل، و«شكّوا» في كل ما سبق أن سمعوه من الغابرين، وقرروا خوض غمار التجربة، وسعوا في إمعان التفكير في السبب أو السر وراء هذه الظواهر فتتالت الإجابات بعد أن سقطت الخرافات وانقشعت سُحب الجهل وظهرت الحقائق الواحدة، تلو الأخرى، فعرفنا أننا لا نشكّل شيئا في هذا الكون البالغ الاتساع، واننا نتبع مجموعة شمسية، يوجد مثلها في الكون المليارات، واننا نعيش على كرة مستديرة تلف بنا مرة كل 24 ساعة، وان هناك بحارا ومحيطات واسبابا تجعل الأمطار تسقط، والرياح تهب، والزلازل تقع، ولا شيء يحدث عبثا، بل لكل أمر سرّ وخبر، يتطلب الأمر كشفهما ومعرفتهما.. ونشرهما.

فقد عاش أهالي وادي النيل، مثلا، لعشرات آلاف السنين وهم يشربون من مائه، ولم يسأل أو يكترث أحد بمعرفة من أين تتدفّق كل هذه المياه، والسبب وراء ما يحدث من فيضان بين عام وآخر، إلى أن جاء الرحالة الإنكليزي جون هانين سبيك عام 1858 واكتشف بحيرة مياه عذبة، هي الثانية عالمياً في حجمها، والأكبر في أفريقيا، وأطلق عليها اسم ملكته، «فكتوريا»، وكان من المفترض ان تسمى باسم أحد الخديوية، لو بذل مصري أو سوداني، مثلا، جهده في الوصول اليها.. ولكن!!

وفي الجزيرة عاش العرب آلاف السنين على أطراف، وفي وسط صحارٍ شاسعة، ومع هذا لم يكترثوا يوماً بمعرفتها، إلى أن جاء رحّالة الغرب، واكتشفوها ووضعوا خرائط لحدودها وآبارها وممراتها وسهولها ووديانها، وحتى بعد ذلك لم يبدِ أي منا اكتراثه بالاكتشاف، فلدينا من الرمال الكثير.

يقول القارئ الصديق «نجيب»: إن نيوتن لم يحتَج الى غير تفاحة، تقع على رأسه ليتساءل أو ليشكّ في سبب سقوطها وعدم بقائها معلّقة على الشجرة، أمّا هو فلو وقعت الشبرة، او سوق الفواكه والخضار، على رأسه لما فكر في طرح السؤال نفسه، وهذا ما يقوله عاقل، فما بالك بما يقوله الجهلة منا؟!

ثم تقدّمت البشرية، أو العلم البشري خطوة، واصبحت تتساءل أو تشك حتى في أقوى ما جرى الاتفاق عليه من وقائع أو حقائق، وما أزيل الشك عنه، فطالما شك الفيزيائيون في أن ميكانيكا الكم تسمح لمراقبين اثنين مثلا بتجربة حقائق مختلفة ومتضاربة، وقاموا بإجراء تجارب أثبتت ذلك، وسميت تجربة «وينر وصديقه» نسبة الى عالم الفيزياء وينر، والتي تُبيِّن كيف أن الطبيعة الغريبة للكون تسمح لمراقبين اثنين بتجربة حقائق مختلفة، والتي فتحت المجال لاستكشاف طبيعة القياس وللتجادل حول إمكانية وجود حقائق موضوعية، لكن إذا واجهوا حقائق مختلفة، كما تذهب الحجة، فكيف يمكنهم الاتفاق على ما قد تكونه هذه الحقائق؟

الخلاصة التي نبتغي الوصول إليها من هذا المقال أن المجال يجب أن يبقى مفتوحا، وألا نسلّم بأي أمر، فالبشرية إن سلّمت بكل شيء كما نراه بالعين المجردة فستجمد وتفنى، وما علينا غير طرح أكثر الأسئلة تعقيداً، من دون خوف أو تردد، ومحاولة الإجابة عنها.

أحمد الصراف
habibi.enta1@gmail.com
www.kalamanas.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات