لبنانية تمر أمام أحد مطاعم بيروت الخالية من الزبائن - أزمة المطاعم بدأت منذ أعوام.. وبلغت ذروتها مع الانهيار الحاصل

لبنانية تمر أمام أحد مطاعم بيروت الخالية من الزبائن - أزمة المطاعم بدأت منذ أعوام.. وبلغت ذروتها مع الانهيار الحاصل

بيروت - أنديرا مطر - 

أرخت الأزمة الاقتصادية في لبنان بثقلها على كل القطاعات الإنتاجية والخدماتية، ورغم توالي مؤشراتها منذ نحو عام لكنها تبدت بصورة فعلية مع أزمة شح الدولار في سبتمبر الفائت.

تكفي جولة قصيرة على مناطق معروفة بنشاطها التجاري، في شوارع الحمرا والأشرفية في بيروت أو في أسواق الزلقا وجونيه وجبيل، لتبيان فداحة الوضع. فالعديد من المحال والمؤسسات التجارية أقفلت أبوابها، كما ان المطاعم والمقاهي التي كانت تعج بالرواد باتت شبه مقفرة. ويرجح رئيس جمعية تجار جونيه سامي عيراني أن يتخطى عدد المؤسسات والشركات والمصانع التي أقفلت في الأشهر الأخيرة، أو هي على وشك الإقفال نتيجة الوضع شبه الميت، الـ 1500 مؤسسة.

في المقابل، تعاند مؤسسات أخرى تأزم الاوضاع، وتواصل عملها وإنما ضمن شروط وإجراءات قاسية. بعض المؤسسات اتخذت سلسلة إجراءات تقشفية ظلت في اطار المعقول، إلى ان انطلق الحراك فشكل ذريعة لأصحابها للمضي بالإجراءات إلى حدودها القصوى. مؤسسات عديدة لجأت إلى صرف موظفين على خلفية مشاركتهم في التظاهرات، أو إلى حسم نسب مئوية من رواتبهم وحرمانهم في كثير من الأحيان من إجازاتهم السنوية. كما عمدت مؤسسات أخرى إلى خفض عدد ساعات العمل.

المطاعم  الخاسر الأكبر

يعتبر قطاع المطاعم من أكثر القطاعات التي تضررت، فصحيح ان هذا القطاع كان يحتضر قبيل انطلاق انتفاضة اكتوبر، ولكنه اليوم دخل في غيبوبة تامة، بحسب نقيب أصحاب المطاعم طوني الرامي.

لا شك أن تدهور أحوال اللبنانيين أحدثت تبدلاً عميقاً في يومياتهم وفي نمط عيشهم الذي يندرج في خانة «حب الحياة» مع ما يستتبعه من التعلق بالمظاهر المرفهة ومن ضمنها ارتياد المقاهي والمطاعم وأماكن السهر، كل بحسب قدرته. وهذا التبدل راح يتظهر تدريجياً منذ أشهر بسبب الركود الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية إضافة إلى نقص السيولة النقدية، لكنه اتخذ وجهه الأكثر وضوحاً مع انطلاق الاحتجاجات. فالجيل الشاب الذي شكل الفئة الأكثر مشاركة في الاحتجاجات استبدل نمط حياته السابق في السهر والتسكع في المقاهي بالحضور إلى ساحات الاعتصام. وكان من المستغرب خلال الأيام الأولى للانتفاضة ان تخلو أماكن السهر المعتادة في شوارع بدارو أو الجميزة في بيروت، والتي تستقطب الفئة الشبابية، من كثافتها المعتادة.

400 مطعم نحو الإقفال

في غضون شهرين أقفلت 265 مؤسسة منضوية في قطاع المطاعم أبوابها نهائيا. وفي حال استمرار الأزمة وعدم بروز أي مبادرة انفراج في المدى القريب، فإنه من المتوقع أن يرتفع عدد الإقفالات النهائية أكثر فأكثر مع مطلع العام المقبل لتنضم 200 مؤسسة أخرى إلى سابقاتها. وبذلك يفوق عدد المؤسسات التي أقفلت او ستقفل عتبة الـ400 مؤسسة، الامر الذي لم يحصل خلال الحرب.

إجراءات قاسية

نقابة أصحاب المطاعم اطلقت صرختها داعية إلى معالجة سريعة للتدهور الحاصل في هذا القطاع، تجنبا لصرف المزيد من الموظفين. وبانتظار الحل الشامل الذي يقضي بتشكيل حكومة انقاذ، توجهت النقابة إلى مالكي الأماكن التي تسثمرها المطاعم لإعادة النظر في المستحقات المالية المتوجبة عليهم وخفض البدلات التأجيرية، تجنبا لشغور المواقع ولتمكين قطاع المطاعم من الاستمرار، وحماية العاملين وعوائلهم. كما طالبت الموردين بالتساهل وتجنب زيادة الأسعار غير المبررة.

بالتوازي، لجأ عدد من المطاعم إلى تقديم تسهيلات للحفاظ على زبائنها، مثل تخفيض فاتورة الطعام وطرح حسومات تصل إلى نسبة مئوية قياسية، على غرار ما فعل مطعم «السنيور»، الذي خصص حسماً لطلاب الجامعات بنسبة 40 في المئة بهدف استقطابهم. في المقابل، اضطرت مطاعم نخبوية مشهورة إلى حسم 50 في المئة من رواتب موظفيها.

انكماش في كل المناطق

وتتوزع المطاعم التي أقفلت أبوابها على بيروت وكذلك على مناطق المتن وكسروان وجبيل. بعض المطاعم أقفلت فروعها كلها كمطعم «ليوان» الذي أقفل فرعيه في الحازمية والأشرفية، وكذلك فعل مطعم «ريبابليك» في جونية وجبيل. ومطعم Baie rose، الذي أقفل فرعيه في القليعات وجونية. في حين عمد بعضها إلى إقفال فرع من فروعه مثل سلسلة مطاعم المأكولات السريعة. علماً ان بعض المقاهي تبحث عن مواقع أكثر شعبية لاعادة افتتاح فروعها.

الرامي: كل العوامل محبطة

رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي في لبنان طوني الرامي يوضح أسباب التراجع في هذا القطاع، ويقول في اتصال مع القبس ان المؤسسات السياحية اللبنانية تقوم على ثلاثة موارد: السياحة الداخلية، وسياحة المغتربين اللبنانيين والعرب والأجانب.

ويوضح انه في مقابل ارتفاع نسبة المغتربين والسياح في عام 2019 حتى شهر يونيو بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2018، سجل تراجع كبير للسياحة الداخلية بسبب الأوضاع الاقتصادية الخانقة وعدم توافر السيولة. كما ان المغتربين اللبنانيين وغالبيتهم من أفريقيا والبلدان العربية، انخفضت نسبة ما يصرفونه نتيجة انخفاض العملة في معظم أفريقيا وتغير الأوضاع في الدول العربية.

ويوضح الرامي ان القطاع السياحي والخدماتي يعوّل بشكل كبير على السياح العرب والأجانب الذين عزف قسم كبير منهم عن المجيء إلى لبنان بسبب الأزمات السياسية المتلاحقة.

ويعتبر الرامي ان قطاع المطاعم مهدد ويجدر إنقاذه بأسرع وقت كي لا تضطر مؤسسات أخرى إلى الإقفال، علماً ان عدد العاملين في هذا القطاع يتجاوز الخمسين ألف لبناني.

طوق: نتحمَّل حتى مطلع العام

ملحم طوق ــــــ صاحب مطعم أبوملحم في سن الفيل ـــــ يتناول بالأرقام نسبة التراجع في عدد زبائن المطعم، والتي وصلت في 2018 إلى 15 في المئة، لكنها تراوحت في العام الحالي ما بين 40 و60 في المئة. ويشير طوق الى ان حركة التراجع كانت على مستويين: عدد الرواد، ومصروفهم.

أما التحديات التي فرضتها انتفاضة 17 أكتوبر على هذا القطاع، فليست فقط في تراجع عدد الزائرين، بل في ارتفاع أسعار السلع بشكل كبير مقابل عدم قدرة أصحاب المطاعم على زيادة الأسعار، لأن المستهلك لن يتحمّل هذه الزيادة. ويبقى التحدّي الأساس المتمثل في طلب المورّدين الدفع نقداً، وبالدولار.وعما اذا كانت الإجراءات التقشّفية طالت موظفيه، يقول انه لم يصرف أي موظف، لكنه اعتمد نظام المداورة لبعض العاملين، ليبقى بمقدور الموظف تحصيل مصروفه، ولكن في حال تمادت الأزمة فإن الخيار الصعب آتٍ لا محالة في انتظار مطلع السنة الجديدة.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات